فخر الدين الرازي

175

تفسير الرازي

الأنبياء وصار قدوة لمن بعده ، والصالحون يأخذونه عن الشهداء ، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات . ثم قال تعالى : * ( وحسن أولئك رقيقا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : فيه معنى التعجيب . كأنه قيل : ما أحسن أولئك رفيقاً . المسألة الثانية : الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل ، وصاحبه رفيق . هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمي رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض . المسألة الثالثة : قال الواحدي : إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع ، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد والى الجمع قال تعالى : * ( إنا رسول رب العالمين ) * ( الشعراء : 16 ) ولا يجوز أن يقال : حسن أولئك رجلا ، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة ، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز ، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه ، وقيل : معنى قوله : * ( وحسن أولئك رفيقا ) * أي حسن كل واحد منهم رفيقا ، كما قال : * ( يخرجكم طفلا ) * ( غافر : 67 ) . المسألة الرابعة : * ( رفيقا ) * نصب على التمييز ، وقيل على الحال : أي حسن واحد منهم رفيقا . المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم لم يكترث بذلك ، بل ذكر أنه يكون رفيقا له ، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر ، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم ، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا ، ولقد ذكرنا مراراً كيفية هذا الارتفاق ، وأما على حسب الظاهر فلأن الانسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقاً له ، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له ، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته . ثم قال تعالى : * ( ذلك الفضل من الله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا شك أن قوله تعالى : * ( ذلك ) * إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب ، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله ، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه : الأول : القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة ، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا ، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الداعي ، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل ، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه