فخر الدين الرازي

165

تفسير الرازي

الشرط الثاني : قوله : * ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) * قال الزجاج : لا تضيق صدورهم من أفضيتك . واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب ، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر ، فليس المراد من الآية ذلك ، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق . الشرط الثالث : قوله تعالى : * ( ويسلموا تسليما ) * واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول ، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب . فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر ، فقوله : * ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) * المراد به الانقياد في الباطن ، وقوله : * ( ويسلموا تسليما ) * المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم . المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم ، فهذا يدل على أن قوله : * ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) * ( التوبة : 43 ) وأن فتواه في أسارى بدر ، وأن قوله : * ( لم تحرم ما أحل الله لك ) * ( التحريم : 1 ) وأن قوله : * ( عبس وتولى ) * ( عبس : 1 ) كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب . المسألة السادسة : من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى : * ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) * على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وهو ضعيف لأن القضاء هو الالزام ، ولا نزاع في أنه للوجوب . المسألة السابعة : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق ، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره ، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف ، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس ، وقوله : * ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) * مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس ، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ، ويسلم النص تسليما كليا ، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف . المسألة الثامنة : قالت المعتزلة : لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض ،