فخر الدين الرازي
161
تفسير الرازي
أمر بطاعته ، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية : وما أذنا في طاعة من أرسلناه الا بإذننا وهو تكرار قبيح ، فوجب حمل الاذن على التوفيق والإعانة . وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا ، وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول ، بل لا يريد ذلك الا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه وهم المؤمنون . وأما المحرومون من التوفيق والإعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم ، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا . المسألة الرابعة : الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها ، إذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا ، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة ، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع . المسألة الخامسة : الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا ، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا ، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا ، فيلزم توارد الايجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال . فان قيل : ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله : * ( إلا ليطاع ) * لا يفيد العموم ، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم . قلنا : ظاهر اللفظ يوهم العموم ، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الايمان من الكافر ، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم ، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق . قوله تعالى : * ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) * . وفيه مسائل :