فخر الدين الرازي

154

تفسير الرازي

على المنافق ، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال المنافق : بيني وبينك عمر ، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق : أهكذا فقال نعم ، قال : اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي ، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن قصته ، فقال عمر : إنه رد حكمك يا رسول الله ، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال : انه الفاروق فرق بين الحق والباطل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : " أنت الفاروق " وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف . الرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به ، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر ، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء الخزرج ، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه ، فقالت بنو النضير : لا قصاص علينا ، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل ، وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهلية ، ونحن وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ولا فضل بيننا ، فأبي بنو النضير ذلك ، فقال المنافقون : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ، وقال المسلمون : بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الاسلام فأسلم ، هذا قول السدي ، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن . الرواية الثالثة : قال الحسن : ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق ، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن ، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل . الرواية الرابعة : كانوا يتحاكمون إلى الأوثان ، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن ، فما خرج على القداح عملوا به ، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن . واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين ، ثم قال أبو مسلم : ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب ، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الاسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى : * ( يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) * إنما يليق بمثل هذا المنافق .