فخر الدين الرازي

150

تفسير الرازي

وهذا أصل معتبر في الشرع . المسألة العاشرة : أنه قال : * ( أطيعوا الله ) * فأفرده في الذكر ، ثم قال : * ( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب ، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره ، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك ، بدليل أنه قال : * ( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * وهذا تعليم لهذا الأدب ، ولذلك روي أن واحدا ذكر عند الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : من أطاع الله والرسول فقد رشد ، ومن عصاهما فقد غوى ، فقال عليه الصلاة والسلام : " بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله وعصى رسوله " أو لفظ هذا معناه ، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة ، وهو سبحانه متعال عن ذلك . المسألة الحادية عشرة : قد دللنا على أن قوله : * ( وأولي الأمر منكم ) * يدل على أن الاجماع حجة فنقول : كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع ، ونحن نذكر بعضها : الفرع الأول : مذهبنا أن الاجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة ، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول : الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر ، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء ، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه ، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث ، فدل على ما ذكرناه ، فلما دلت الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أن ينعقد الاجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء . وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر ؛ لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر . الفرع الثاني : اختلفوا في أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة ؟ والأصح أنه حجة ، والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنا بينا أن قوله : * ( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة ، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك ، فوجب أن يكون الكل حجة . الفرع الثالث : اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط ؟ والأصح أنه ليس بشرط ، والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين ، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض .