فخر الدين الرازي

147

تفسير الرازي

إلى البراءة الأصلية ؟ قلنا : أما الأول فمدفوع ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين ، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه ، ومنها ما لا يكون كذلك ، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد ، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى الله وإلى الرسول ، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت ، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك ، بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات ، وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة ، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث . وأما السؤال الثاني : فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل ، فلا يكون رد الواقعة إليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه ، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام الله تعالى ، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى . المسألة الخامسة : هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا ، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس ، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس البتة ، سواء كان القياس جليا أو خفيا ، سواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا ، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * أمر بطاعة الكتاب والسنة ، وهذا الأمر مطلق ، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة ، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى : أحدها : أن كلمة " ان " على قول كثير من الناس للاشتراط ، وعلى هذا المذهب كان قوله : * ( فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) * صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول . الثاني : انه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة ، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة . الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب ، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله : " فإن لم تجد " الرابع : انه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال : * ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ) * ( البقرة : 34 ) ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية ، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله : * ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) * ( الأعراف : 12 ) ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا ، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز . الخامس : أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر ، والقياس ليس كذلك ، بل هو مظنون من جميع الجهات ، والمقطوع راجح على المظنون . السادس : قوله تعالى