فخر الدين الرازي
145
تفسير الرازي
أما أهل الاجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق ، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى . والثاني : أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه ، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل ، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل ، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الاجماع . الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء ، فقال : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني " فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال الذي ذكرناه . والجواب : أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله : * ( وأولي الأمر منكم ) * على العلماء ، فإذا قلنا : المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة ، بل كان هذا اختياراً لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة ، فاندفع السؤال الأول : وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع ، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة ، والذي ذكرناه برهان قاطع ، فكان قولنا أولى ، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها : فأحدها : أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب ، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة ، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة ، وعن طاعة الله وطاعة رسوله ، بل يكون داخلا فيه ، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين ، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول ، أما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها ، لأنه ربما دل الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه ، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين ، فهذا أولى . وثانيها : أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية ، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق ، فإذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في الآية ، فكان هذا أولى . وثالثها : أن قوله من بعد : * ( فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ) * مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع . ورابعها : أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا ، وعندنا أن طاعة أهل الاجماع واجبة قطعا ، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا ، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم ، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف ، فكان حمل الآية على الاجماع أولى ، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ) * فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على