فخر الدين الرازي

143

تفسير الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال : * ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ) * ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة : الطاعة موافقة الإرادة ، وقال أصحابنا : الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الإرادة . لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة ، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مراداً أم لا ؟ فإذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مراداً ثبت حينئذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الإرادة ، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب البتة ، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا ، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر ، والجمع بين الضدين محال ، فكان صدور الايمان من أبي لهب محالا . والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا ، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريداً له ، فثبت أنه تعالى غير مريد للايمان من أبي لهب وقد أمره بالايمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته ، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الإرادة بقول الشاعر : رب من أنضجت غيظا صدره قد تمنى لي موتاً لم يطع رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الإرادة . والجواب : أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة . المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه ، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع : الكتاب والسنة والاجماع والقياس ، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب . أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * . فان قيل : أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله ، فما معنى هذا العطف ؟ قلنا : قال القاضي : الفائدة في ذلك بيان الدلالتين ، فالكتاب يدل على أمر الله ، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة ، والسنة تدل على أمر الرسول ، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة ، فثبت بما ذكرنا أن قوله : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة .