فخر الدين الرازي
127
تفسير الرازي
أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره . المسألة الثانية : قوله : * ( بل الله يزكي من يشاء ) * يدل على أن الايمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان ، فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى . المسألة الثالثة : قوله : * ( ولا يظلمون فتيلا ) * هو كقوله : * ( ان الله لا يظلم مثقال ذرة ) * ( النساء : 40 ) والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم ، أو يكون المعنى : أن الذين زكاهم الله فإنه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا ، والفتيل ما فتلت بين إصبعيك من الوسخ ، فعيل بمعنى مفعول ، وعن ابن السكيت : الفتيل ما كان في شق النواة ، والنقير النقطة التي في ظهر النواة ، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة ، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير ، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا . ثم قال تعالى : * ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله ، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على الله ، وهو قولهم : * ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) * وقولهم : * ( لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ) * وقولهم : ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل . المسألة الثانية : مذهبنا أن الخبر عن الشيء إذا كان على خلاف المخبر عنه كان كذبا ، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم ، وقال الجاحظ : شرط كونه كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك ، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء والطهارة ، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم الله فيه ، وهذا يدل على ما قلناه . ثم قال تعالى : * ( وكفى به إثماً مبينا ) * وإنما يقال : كفى به في التعظيم على جهة المدح أو على جهة الذم ، أما في المدح فكقوله : * ( وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيرا ) * ( النساء : 45 ) وأما في الذم فكما في هذا الموضع . وقوله : * ( إثماً مبينا ) * منصوب على التمييز . قوله تعالى * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ