فخر الدين الرازي
119
تفسير الرازي
قوله : * ( راعنا ) * معناه أرعنا سمعك ، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم ، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام ، بل إنما يخاطبون بالاجلال والتعظيم . الثالث : كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك ، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم . الرابع : أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم : * ( راعنا ) * راعينا ، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا ، وقوله : * ( ليا بألسنتهم ) * قال الواحدي : أصل " لياً " لويا ، لأنه من لويت ، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون ، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الفراء كانوا يقولون : راعنا ويريدون به الشتم ، فذاك هو اللي ، وكذلك قولهم : ( غير مسمع ) وأرادوا به لا سمعت ، فهذا هو اللي . الثاني : انهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق . الثالث : لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على سبيل السخرية ، كما جرت عادة من يهزأ بانسان بمثل هذا الأفعال ، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين ، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم : إنما نشتمه ولا يعرف ، ولو كان نبيا لعرف ذلك ، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم ، فانقلب ما فعلوه طعناه في نبوته دلالة قاطعة على نبوته ، لأن الاخبار عن الغيب معجز . فان قيل : كيف جاؤوا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا ، وقالوا سمعنا وعصينا ؟ والجواب من وجهين : الأول : أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال : إنهم ما كانوا يظهرون قولهم : * ( وعصينا ) * بل كانوا يقولونه في أنفسهم . والثاني : هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ، ولا يواجهونه بالسب والشتم . ثم قال تعالى : * ( ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ) * والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم : سمعنا وعصينا ، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولاظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات ، وبدل قولهم : * ( واسمع غير مسمع ) * قولهم واسمع ، وبدل قولهم : * ( راعنا ) * قولهم : * ( انظرنا ) * أي اسمع منا ما نقول ، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند الله وأقوم ، أي أعدل وأصوب ، ومنه يقال : رمح قويم أي مستقيم ؛ وقومت الشيء من عوج فتقوم . ثم قال : * ( ولكن لعنهم الله بكفرهم ) * والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم . ثم قال : * ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) * وفيه قولان : أحدهما : أن القليل صفة للقوم ، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون . ثم منهم من قال : كان ذلك القليل عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقيل : هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك .