فخر الدين الرازي
111
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) * قوله : * ( ولا جنبا ) * عطف على قوله : * ( وأنتم سكارى ) * والواو ههنا للحال ، والتقدير : لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى ، وحال ما تكونون جنبا ، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع ، المذكر والمؤنث ، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجناب . وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد ، وقيل للذي يجب عليه الغسل : جنب ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر . ثم قال : * ( إلا عابري سبيل ) * وقد ذكرنا أن فيه قولين : أحدهما : أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد . الثاني : أن المراد بقوله : * ( إلا عابري سبيل ) * المسافرون ، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر . قوله تعالى * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) * . اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أصنافا أربعة : المرضى ، والمسافرين ، والذين جاؤوا من الغائط ، والذين لامسوا النساء . فالقسمان الأولان : يلجئان إلى التيمم ، وهما المرض والسفر . والقسمان الأخيران : يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء ، وبالتيمم عند عدم الماء ، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام : أما السبب الأول : وهو المرض ، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون بحيث لو استعمل الماء لمات ، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة ، وثانيها : أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة . وثالثها : أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة . لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن ، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين ، وما جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء ، بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء ، بدليل أنه قال في آخر الآية : * ( فلم تجدوا ماء ) * وإذا كان هذا الشرط