فخر الدين الرازي
103
تفسير الرازي
مدة مائة سنة . وقال أصحابنا : هذا باطل ؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب كل تلك الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة ، أزيد من عقاب شرب هذه القطرة ، فاسقاط ذلك الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من المعصية ظلم ، وإنه منفي بهذه الآية . المسألة السادسة : قال الجبائي : إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات ، ولا ينحبط من ذلك العقاب شيء . وقال ابنه أبو هاشم : بل ينحبط . واعلم أن هذا المشروع صار حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالاحباط فانا نقول : لو انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أولا يحبط ، والقسمان باطلان . فالقول بالاحباط باطل . إنما قلنا إنه لا يجوز انحباط كل واحد منهما بالآخر ، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر ، فلو حصل العدمان معا لحصل الوجدان معا ، ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون حاصلة مع المعلول ، وذلك محال . وإنما قلنا : إنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع أن المعصية لا تنحبط بالطاعة ، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها البتة ، لا في جلب ثواب ، ولا في دفع عقاب وذلك ظلم ، وهو ينافي قوله تعالى : * ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) * ولما بطل القسمان ثبت القول بفساد الاحباط على ما تقوله المعتزلة . المسألة السابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من النار إلى الجنة ، فقالوا : لا شك أن ثواب الايمان ، والمداومة على التوحيد ، والاقرار بأنه هو الموصول بصفات الجلال والاكرام ، والمواظبة على وضع الجبين على تراب العبودية مائة سنة : أعظم ثوابا من عقاب شرب الجرعة من الخمر ، فإذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر عقاب هذا المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم ، فإذا أدخل النار بسبب ذلك القدر من العقاب ، فلو بقي هناك لكان ذلك ظلما وهو باطل ، فوجب القطع بأنه يخرج إلى الجنة . النوع الثاني : من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية : قوله تعالى : * ( وإن تك حسنة يضاعفها ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير * ( حسنة ) * بالرفع على تقديره " كان " التامة ، والمعنى : وإن حدثت حسنة ، أو وقعت حسنة ، والباقون بالنصب على تقدير " كان " الناقصة والتقدير : وإن تك زنة الذرة حسنة . وقرأ ابن كثير وابن عامر * ( يضعفها ) * بالتشديد من غير ألف من التضعيف ، والباقون * ( يضاعفها ) * بالألف والتخفيف من المضاعفة . المسألة الثانية : تك : أصله من " كان يكون " وأصله " تكون " سقطت الضمة للجزم ، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار " تكن " ثم حذفوا النون أيضا لأنها ساكنة . وهي