فخر الدين الرازي
101
تفسير الرازي
صحيحا ، ولا يقال للمرأة : ماذا عليها لو كانت رجلا ، وللقبيح : ماذا عليه لو كان جميلا ، وكما لا يحسن هذا القول من العاقل كذا لا يحسن من الله تعالى ، فبطل بهذا ما يقال : إنه وإن قبح من غيره ، لكنه يحسن منه لأن الملك ملكه . وقال القاضي عبد الجبار : إنه لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتصرف في الضيعة ويحبسه من حيث لا يتمكن من مفارقة الحبس ، ثم يقول له : ماذا عليك لو تصرفت في الضيعة ، وإذا كان من يذكر مثل هذا الكلام سفيها دل على أن ذلك غير جائز على الله تعالى ، فهذا جملة ما ذكروه من الأمثلة . واعلم أن التمسك بطريقة المدح والذم والثواب والعقاب قد كثر للمعتزلة ، ومعارضتهم بمسألتي العلم والداعي قد كثرت ، فلا حاجة إلى الإعادة . ثم قال تعالى : * ( وكان الله عليما ) * والمعنى أن القصد إلى الرئاء إنما يكون باطنا غير ظاهر ، فبين تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظواهرها ، فان الانسان متى اعتقد ذلك صار ذلك كالرادع له عن القبائح من أفعال القلوب : مثل داعية النفاق والرياء والسمعة . قوله تعالى * ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) * . اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى : * ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ) * ( النساء : 39 ) فكأنه قال : فان الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ، فرغب بذلك في الايمان والطاعة . واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة : الأول : قوله تعالى : * ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة . وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ، ثم قال : كل واحد من هذه الأشياء ذرة و * ( مثقال ) * مفعال من الثقل يقال : هذا على مثقال هذا ، أي وزن هذا ، ومعنى * ( مثقال ذرة ) * أي ما يكون وزنه وزن الذرة . واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيراً ، ولكن الكلام خرج على أصغر