فخر الدين الرازي
94
تفسير الرازي
النكتة العاشرة : أما إن نظرت إلى قصة أبيك فإنه أقسم بأنه له من الناصحين ، ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة ، وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يضلك ويغويك فقال : ( فبعزتك لأَغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) فإذا كانت هذه معاملته مع من أقسم أنه ناصحه فكيف تكون معاملته مع من أقسم أنه يضله ويغويه . النكتة الحادية عشرة : إنما قال : ( أعوذ بالله ) ولم يذكر اسماً آخر ، بل ذكر قوله ( الله ) لأن هذا الاسم أبلغ في كونه زاجراً عن المعاصي من سائر الأسماء والصفات لأن الإله هو المستحق للعبادة ، ولا يكون كذلك إلا إذا كان قادراً عليماً حكيماً فقوله : ( أعوذ بالله ) جار مجرى أن يقول أعوذ بالقادر العليم الحكيم ، وهذه الصفات هي النهاية في الزجر ، وذلك لأن السارق يعلم قدرة السلطان وقد يسرق ماله ، لأن السارق عالم بأن ذلك السلطان وإن كان قادراً إلا أنه غير عالم ، فالقدرة وحدها غير كافية في الزجر ، بل لا بدّ معها من العلم ، وأيضاً فالقدرة والعلم لا يكفيان في حصول الزجر ، لأن الملك إذا رأى منكراً إلا أنه لا ينهى عن المنكر لم يكن حضوره مانعاً منه ، أما إذا حصلت القدرة وحصل العلم وحصلت الحكمة المانعة من القبائح فههنا يحصل الزجر الكامل ؛ فإذا قال العبد ( أعوذ بالله ) فكأنه قال : أعوذ بالقادر العليم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من المنكرات فلا جرم يحصل الزجر التام . النكتة الثانية عشرة : لما قال العبد ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) دل ذلك على أنه لا يرضى بأن يجاور الشيطان ، وإنما لم يرض بذلك لأن الشيطان عاصٍ ، وعصيانه لا يضر هذا المسلم في الحقيقة ، فإذا كان العبد لا يرضى بجوار العاصي فبأن لا يرضى بجوار عين المعصية أولى . النكتة الثالثة عشرة : الشيطان اسم ، والرجيم صفة ، ثم إنه تعالى لم يقتصر على الاسم بل ذكر الصفة فكأنه تعالى يقول إن هذا الشيطان بقي في الخدمة ألوفاً من السنين فهل سمعت أنه ضرنا أو فعل ما يسوءنا ؟ ثم إنا مع ذلك رجمناه حتى طردناه ، وأما أنت فلو جلس هذا الشيطان معك لحظة واحدة لألقاك في النار الخالدة فكيف لا تشتغل بطرده ولعنه فقل : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . النكتة الرابعة عشرة : لقائل أن يقول : لم لم يقل : " أعوذ بالملائكة " مع أن أدون ملك من الملائكة يكفي في دفع الشيطان ؟ فما السبب في أن جعل ذكر هذا الكلب في مقابلة ذكر الله تعالى ؟ وجوابه كأنه تعالى يقول : عبدي إنه يراك وأنت لا تراه ، بدليل قوله تعالى : * ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) * ( الأعراف : 27 ) وإنما نفذ كيده فيكم لأنه يراكم وأنتم لا ترونه ،