فخر الدين الرازي

71

تفسير الرازي

إذا قيل : إن الله تعالى لا يريد ما هو صلاح حال العبد فالاستعاذة بالله كيف تفيد الاعتصام من شر الشيطان . الوجه الثالث : أن الشيطان إما أن يكون مجبوراً على فعل الشر ، أو يكون قادراً على فعل الشر والخير معاً ، فإن كان الأول فقد أجبره الله على الشر ، وذلك يقدح في قولهم : إنه تعالى لا يريد إلا الصلاح والخير ، وإن كان الثاني - وهو أنه قادر على فعل الشر والخير - فهنا يمتنع أن يترجح فعل الخير على فعل الشر إلا بمرجح ، وذلك المرجح يكون من الله تعالى ، وإذا كان كذلك فأي فائدة في الاستعاذة . الوجه الرابع : هب أن البشر إنما وقعوا في المعاصي بسبب وسوسة الشيطان ، فالشيطان كيف وقع في المعاصي ؟ فإن قلنا إنه وقع فيها بوسوسة شيطان آخر لزم التسلسل ، وإن قلنا وقع الشيطان في المعاصي لا لأجل شيطان آخر فلم لا يجوز مثله في البشر ؟ وعلى هذا التقدير فلا فائدة في الاستعاذة من الشيطان ، وإن قلنا إنه تعالى سلط الشيطان على البشر ولم يسلط على الشيطان شيطاناً آخر فهذا حيف على البشر ، وتخصيص له بمزيد الثقل والاضرار وذلك ينافي كون الإله ناصر لعباده . الوجه الخامس : أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع ، فلا فائدة في الاستعاذة منه . وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الاستعاذة منه . واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله : ( أعوذ بالله ) إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من الله وبالله ، وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم : " أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من غضبك ، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " . المستعاذ به : الركن الثاني المستعاذ به : واعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على وجهين : أحدهما : أن يقال : ( أعوذ بالله ) والثاني : أن يقال ( أعوذ بكلمات الله ) أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله وسيأتي ذلك في تفسير بسم الله وأما قوله : ( أعوذ بكلمات الله التامات ) فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى : * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * ( النحل : 40 ) والمراد من قوله " كن " نفاذ قدرته في الممكنات ، وسريان مشيئته في الكائنات ، بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع ، ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفاً بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ، وأيضاً فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة ، والخروج