فخر الدين الرازي

68

تفسير الرازي

بها كان قليل الرغبة فيها ، ثم إذا مارسها ووقف عليها التذ بها ، وإذا حصل الالتذاذ بها قويت رغبته فيها ، وكلما اجتهد الإنسان حتى وصل إلى مقام آخر في تحصيل اللذات والطيبات وصل في شدة الرغبة وقوة الحرص إلى مقام آخر أعلى مما كان قبل ذلك ، فالحاصل أن الإنسان كلما كان أكثر فوزاً بالمطالب كان أعظم حرصاً وأشد رغبة في تحصيل الزائد عليها ، وإذا كان لا نهاية لمراتب الكمالات فكذلك لا نهاية لدرجات الحرص ، وكما أنه لا يمكن تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذلك لا يمكن إزالة ألم الشوق والحرص عن القلب ، فثبت أن هذا مرض لا قدرة للعبد على علاجه ، ووجب الرجوع فيه إلى الرحيم الكريم الناصر لعباده فيقال : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . الحجة السادسة : في تقرير ما ذكرناه قوله تعالى : * ( إياك نعبد وإياك نستعين ) * وقوله : * ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) * ( البقرة : 45 ) وقول موسى لقومه * ( استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) * ( الأعراف : 128 ) وفي بعض الكتب الآلهية إن الله تعالى يقول : " وعزتي وجلالي ، لأقطعن أمل كل مؤمل غيري باليأس ، ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس ، ولأخيبنه من قربي ، ولأبعدنه من وصلي ، ولأجعلنه متفكراً حيران يؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي ، وأنا الحي القيوم ، ويرجو غيري ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني " . مذهب الجبرية في الاستعاذة : المسألة الثالثة : في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب أهل الجبر ومذهب القدرية قالت المعتزلة : قوله : ( أعوذ بالله ) يبطل القول بالجبر من وجوه : - الأول : أن قوله : ( أعوذ بالله ) اعتراف بكون العبد فاعلاً لتلك الاستعاذة ، ولو كان خالق الأعمال هو الله تعالى لامتنع كون العبد فاعلاً لأن تحصيل الحاصل محال ، وأيضاً فإذا خلقه الله في العبد امتنع دفعه ، وإذا لم يخلقه الله فيه امتنع تحصيله . فثبت أن قوله : ( أعوذ بالله ) اعتراف بكون العبد موجداً لأفعال نفسه . والثاني : أن الاستعاذة إنما تحسن من الله تعالى إذا لم يكن الله تعالى خالقاً للأمور التي منها يستعاذ . أما إذا كان الفاعل لها هو الله تعالى امتنع أن يستعاذ بالله منها لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد استعاذ بالله من الله في عين ما يفعله الله . والثالث : أن الاستعاذة بالله من المعاصي ، تدل على أن العبد غير راضٍ بها ، ولو كانت المعاصي تحصل بتخليق الله تعالى وقضائه وحكمه وجب على العبد كونه راضياً بها ؛ لما ثبت بالإجماع