فخر الدين الرازي
64
تفسير الرازي
الباب الثاني في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة : الاستعاذة ، والمستعيذ ، والمستعاذ به ، والمستعاذ منه ، والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة . الركن الأول : في الاستعاذة ، وفيه مسائل : - تفسير الاستعاذة : المسألة الأولى : في تفسير قولنا : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " بحسب اللغة فنقول : قوله : " أعوذ " مشتق من العوذ ، وله معنيان : أحدهما : الالتجاء والاستجارة ، والثاني : الالتصاق يقال : " أطيب اللحم عوذه " وهو ما التصق منه بالعظم ، فعلى الوجه الأول معنى قوله أعوذ بالله أي : ألتجئ إلى رحمة الله تعالى وعصمته ، وعلى الوجه الثاني معناه التصق نفسي بفضل الله وبرحمته . وأما الشيطان ففيه قولان : الأول : أنه مشتق من الشطن ، وهو البعد ، يقال : شطن دارك أي بعد ، فلا جرم سمي كل متمرد من جن وإنس ودابة شيطاناً لبعده من الرشاد والسداد ، قال الله تعالى : * ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ) * ( الأنعام : 112 ) فجعل من الإنس شياطين ، وركب عمر برذوناً فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبختراً فنزل عنه وقال : ما حملتموني إلا على شيطان . والقول الثاني : أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل ، ولما كان كل متمرد كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلاً لوجوه مصالح نفسه سمي شيطاناً . وأما الرجيم فمعناه المرجوم ، فهو فعيل بمعنى مفعول . كقولهم : كف خضيب أي مخضوب ورجل لعين ، أي ملعون ، ثم في كونه مرجوماً وجهان : الأول : أن كونه مرجوماً كونه ملعوناً من قبل الله تعالى ، قال الله تعالى : * ( فأخرج منها فإنك رجيم ) * ( الحجر : 34 ) واللعن يسمى رجماً ، وحكى الله تعالى عن والد إبراهيم عليه السلام أنه قال له : * ( لئن لم تنته لأرجمنك ) * ( مريم : 46 ) قيل عنى به الرجم بالقول ، وحكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا : * ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) * ( الشعراء : 116 ) وفي سورة يس ( لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ) والوجه الثاني : أن الشيطان إنما وصف بكونه مرجوماً لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشياطين بالشهب والثواقب طرداً لهم من السماوات ، ثم وصف بذلك كل شرير متمرد .