فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، لأنه يقال : ترك الظاهر في موضع الدليل لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل . أما جمهور الفقهاء فقالوا : لا شك أن قوله : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ ) يحتمل أن يكون المراد منه إذا أردت ، وإذا ثبت الاحتمال وجب حمل اللفظ عليه توفيقاً بين هذه الآية وبين الخبر الذي رويناه ، ومما يقوي ذلك من المناسبات العقلية ، أن المقصود من الاستعاذة نفي وساوس الشيطان عند القراءة ، قال تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقي الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) * ( الحج : 52 ) وإنما أمر تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذا السبب . وأقول : ههنا قول ثالث : وهو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر ، وبعدها بمقتضى القرآن ، جمعاً بين الدليلين بقدر الإمكان . حكم الاستعاذة : المسألة الثانية : قال عطاء : الاستعاذة واجبة لكل قراءة ، سواء كانت في الصلاة أو في غيرها ، وقال ابن سيرين : إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب وقال الباقون : إنها غير واجبة . حجة الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة ولقائل أن يقول : إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة ، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها . واحتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه : الأول : أنه عليه السلام واظب عليه ، فيكون واجباً لقوله تعالى : * ( واتبعوه ) * . الثاني : أن قوله تعالى : * ( فاستعذ ) * أمر ، وهو للوجوب ، ثم إنه يجب القول بوجوبه عند كل القراءات ، لأنه تعالى قال : * ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) * وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل ، والحكم يتكرر لأجل تكرر العلة . الثالث : أنه تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم ، لأن قوله : * ( فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) * مشعر بذلك ، ودفع شر الشيطان واجب ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة . الرابع : أن طريقة الاحتياط توجب الاستعاذة ، فهذا ما لخصناه في هذه المسألة . التعوذ في الصلاة : المسألة الثالثة : التعوذ مستحب قبل القراءة عند الأكثرين ، وقال مالك لا يتعوذ في