فخر الدين الرازي
35
تفسير الرازي
ذكر اللفظ لأنا لو قلنا : " الكلمة هي الدالة على المعنى " لانتقض بالعقد والخط والإشارة كذلك ، مع أنها ليست أسماء . والثاني : أن الضمير في قوله : " في نفسه " إما أن يكون عائداً إلى الدال ، أو إلى المدلول ، أو إلى شيء ثالث ، فإن عاد إلى الدال صار التقدير الاسم ما دل على معنى حصل في الاسم ، فيصير المعنى الاسم ما دل على معنى هو مدلوله ، وهذا عبث ، ثم مع ذلك فينتقض بالحرف والفعل ، فإنه لفظ يدل على مدلوله ، وإن عاد إلى المدلول صار التقدير الاسم ما دل على معنى حاصل في نفس ذلك المعنى ، وذلك يقتضي كون الشيء حاصلاً في نفسه ، وهو محال ، فإن قالوا معنى كونه حاصلاً في نفسه أنه ليس حاصلاً في غيره ، فنقول : فعلى هذا التفسير ينتقض الحد بأسماء الصفات والنسب ، فإن تلك المسميات حاصلة في غيرها . التعريف الخامس : أن يقال : الاسم كلمة دالة على معنى مستقل بالمعلومية من غير أن يدل على الزمان المعين الذي وقع فيه ذلك المعنى ، وإنما ذكرنا الكلمة ليخرج الخط والعقد والإشارة فإن قالوا : لم لم يقولوا لفظة دالة على كذا وكذا ؟ قلنا : لأنا جعلنا اللفظ جنساً للكلمة ، والكلمة جنس للاسم ، والمذكور في الحد هو الجنس القريب لا البعيد ، وأما شرط الاستقلال بالمعلومية فقيل : إنه باطل طرداً وعكساً ، أما الطرد فمن وجوه . الأول : أن كل ما كان معلوماً فإنه لا بدّ وأن يكون مستقلاً بالمعلومية لأن الشيء ما لم تتصور ماهيته امتنع أن يتصور مع غيره ، وإذا كان تصوره في نفسه متقدماً على تصوره مع غيره كان مستقلاً بالمعلومية ، الثاني : أن مفهوم الحرف يستقل بأن يعلم كونه غير مستقل بالمعلومية ، وذلك استقلال . الثالث : أن النحويين اتفقوا على أن " الباء " تفيد الإلصاق ، و " من " تفيد التبعيض ، فمعنى الإلصاق إن كان مستقلاً بالمعلومية وجب أن يكون المفهوم من الباء مستقلاً بالمعلومية فيصير الحرف اسماً ، وإن كان غير مستقل بالمعلومية كان المفهوم من الإلصاق غير مستقبل بالمعلومية ، فيصير الاسم حرفاً ، وأما العكس فهو أن قولنا : " كم وكيف ومتى وإذا " وما الاستفهامية والشرطية كلها أسامٍ مع أن مفهوماتها غير مستقلة ، وكذلك الموصولات . الثالث : أن قولنا : " من غير دلالة على زمان ذلك المعنى " يشكل بلفظ الزمان وبالغد وباليوم والاصطباح وبالاغتباق ، والجواب عن السؤال الأول : أنا ندرك تفرقة بين قولنا الإلصاق وبين حرف الباء في قولنا : " كتبت بالقلم " فنريد بالاستقلال هذا القدر . فأما لفظ الزمان واليوم والغد فجوابه أن مسمى هذه الألفاظ نفس الزمان ، ولا دلالة منها على زمان آخر لمسماه . وأما الاصطباح والاغتباق فجزؤه الزمان ، والفعل هو الذي يدل على زمان خارج عن