فخر الدين الرازي
31
تفسير الرازي
الزوال ولا العدم ، فكانت قديمة ، وأما النقل فهو أن كلام الله قديم ، وكلام الله ليس إلا هذه الحروف ، فوجب القول بقدم هذه الحروف ، أما أن كلام الله قديم فلأن الكلام صفة كمال وعدمه صفة نقص ، فلو لم يكن كلام الله قديماً لزم أن يقال إنه تعالى كان في الأزل ناقصاً ثم صار فيما لا يزال كاملاً ، وذلك بإجماع المسلمين باطل ، وإنما قلنا إن كلام الله تعالى ليس إلا هذه الحروف لوجوه : أحدها : قوله تعالى : * ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) * ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف ، فدل هذا على أن هذه الحروف كلام الله ، وثانيها : أن من حلف على سماع كلام الله تعالى فإنه يتعلق البر والحنث بسماع هذه الحروف ، وثالثها : أنه نقل بالتواتر إلينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام الله " فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد عليه الصلاة والسلام فيلزمه الكفر . والجواب عن الأول أن ما ذكرتم غير مختص بماهية دون ما هي ، فيلزمكم قدم الكل ، وعن الثاني أن ما ذكرتم من الاستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلاً . وصف كلام الله تعالى بالقدم : المسألة الحادية عشرة : إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز ، وأما حديث الحنث والبر فذلك لأن مبني الأَيمان على العرف ، وإذا قلنا : كلام الله قديم ، لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات . وإذا قلنا : كلام الله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة ، فإن القديم كان موجوداً قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له ؟ وإذا قلنا : كلام الله سور وآيات ، عنينا به هذه الحروف ، وإذا قلنا : كلام الله فصيح ، عنينا به هذه الألفاظ ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضاً هذه الألفاظ . الأصوات التي نقرأ بها ليست كلام الله : المسألة الثانية عشرة : زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله تعالى ، وهذا باطل ، لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته ، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى وحالة في بدن هذا الإنسان ، وهذا معلوم الفساد بالضرورة ، وأيضاً فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح ، وزعموا أنها حالة في ناسوت عيسى عليه السلام ، ومع ذلك فهي صفة لله تعالى ، وغير زائلة عنه ، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام الله تعالى حال في لسان هذا الإنسان