فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

وأما القسم الثاني : وهو أن الإنسان إذا أدرك من نفسه حالة مخصوصة وسائر الناس ما أدركوا تلك الحالة المخصوصة استحال لهذا المدرك وضع لفظ لتعريفه ، لأن السامع ما لم يعرف المسمى أولاً لم يمكنه أن يفهم كون هذا اللفظ موضوعاً له ، فلما لم يحصل تصور تلك المعاني عند السامعين امتنع منهم أن يتصوروا كون هذه الألفاظ موضوعة لها ، فلا جرم امتنع تعريفها ، أما لو فرضنا أن جماعة تصوروا تلك المعاني ثم وضعوا لها ألفاظاً مخصوصة فعلى هذا التقدير كان يمكن تعريف تلك الأحوال بالبيانات اللفظية - فهكذا يجب أن يتصور معنى ما يقال إن كثيراً من المعاني لا يمكن تعريفها بالألفاظ . . الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني : المسألة الحادية والأربعون : في الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني : وهي أن الإنسان خلق بحيث لا يستقل بتحصيل جميع مهماته فاحتاج إلى أن يعرف غيره ما في ضميره ليمكنه التوسل به إلى الاستعانة بالغير ، ولا بدّ لذلك التعريف من طريق ، والطرق كثيرة مثل الكتابة والإشارة والتصفيق باليد والحركة بسائر الأعضاء ، إلا أن أسهلها وأحسنها هو تعريف ما في القلوب والضمائر بهذه الألفاظ ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن النفس عند الإخراج سبب لحدوث الصوت ، والأصوات عند تقطيعاتها أسباب لحدوث الحروف المختلفة ، وهذه المعاني تحصل من غير كلفة ومعونة بخلاف الكتابة والإشارة وغيرهما ، والثاني : أن هذه الأصوات كما توجد تفنى عقيبه في الحال ، فعند الاحتياج إليه تحصل وعند زوال الحاجة تفنى وتنقضي ، والثالث : أن الأصوات بحسب التقطيعات الكثيرة في مخارج الحروف تتولد منها الحروف الكثيرة ، وتلك الحروف الكثيرة بحسب تركيباتها الكثيرة يتولد منها كلمات تكاد أن تصير غير متناهية ، فإذا جعلنا لكل واحد من المعاني واحداً من تلك الكلمات توزعت الألفاظ على المعاني من غير التباس واشتباه ، ومثل هذا لا يوجد في الإشارة والتصفيق ، فلهذه الأسباب الثلاثة قضت العقول السليمة ، بأن أحسن التعريفات لما في القلوب هو الألفاظ . لذاته معرفة الحمق : المسألة الثانية والأربعون : كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وجوهر النفس في أصل الخلقة عار عن هذين الكمالين ، ولا يمكنها اكتساب هذه الكمالات إلا بواسطة هذا البدن ، فصار تخليق هذا البدن مطلوباً لهذه الحكمة ، ثم إن مصالح هذا البدن ما كانت تتم إلا إذا كان القلب ينبوعًا للحرارة الغريزية ، ولما كانت هذه الحرارة قوية احتاجت إلى الترويح لأجل التعديل ، فدبر الخالق الرحيم الحكيم هذا المقصود بأن جعل للقلب قوة انبساط بها يجذب الهواء البارد من خارج البدن إلى نفسه ، ثم إذا بقي ذلك الهواء في القلب لحظة