فخر الدين الرازي

19

تفسير الرازي

المسألة الخامسة عشرة : قال ابن جني : لفظ القول يقع على الكلام التام ، وعلى الكلمة الواحدة ، على سبيل الحقيقة ، أما لفظ الكلام فمختص بالجملة التامة ، ولفظ الكلمة مختص بالمفرد وحاصل كلامه في الفرق بين البابين أنا إذا بينا أن تركيب القول يدل على الخفة والسهولة وجب أن يتناول الكلمة الواحدة ، أما تركيب الكلام فيفيد التأثير ، وذلك لا يحصل إلا من الجملة التامة ؛ إلا أن هذا يشكل بلفظ الكلمة ، ومما يقوي ذلك قول الشاعر : - قلت لها قفي فقالت قاف * سمى نطقها بمجرد القاف قولاً . المسألة السادسة عشرة : قال أيضاً إن لفظ القول يصح جعله مجازاً عن الاعتقادات والآراء ، كقولك : فلان يقول بقول أبي حنيفة ، ويذهب إلى قول مالك ، أي : يعتقد ما كانا يريانه ويقولان به ، ألا ترى أنك لو سألت رجلاً عن صحة رؤية الله تعالى فقال : لا تجوز رؤيته ، فتقول : هذا قول المعتزلة ، ولا تقول هذا كلام المعتزلة إلا على سبيل التعسف ، وذكر أن السبب في حسن هذا المجاز أن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره ، فلما حصلت المشابهة من هذا الوجه لا جرم حصل سبب جعله مجازاً عنه . يستعمل القول في غير النطق : المسألة السابعة عشرة : لفظ قال قد يستعمل في غير النطق ، قال أبو النجم : - فقالت له الطير تقدم راشدا * إنك لا ترجع إلا حامدا وقال آخر : - فقالت له العينان سمعاً وطاعة * وحدرتا كالدر لما يثقب وقال : - فامتلأ الحوض وقال : قطني * مهلاً رويداً قد ملأت بطني ويقال في المثل : قال الجدار للوتد لم تشقني ، قال : سل من يدقني ، فإن الذي ورايي ما خلاني ورايي ، ومنه قوله تعالى : * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * ( النحل : 40 ) وقوله تعالى : * ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهًا قالتا أتينا طائعين ) * ( فصلت : 11 ) . المسألة الثامنة عشرة : الذين ينكرون كلام النفس اتفقوا على أن الكلام والقول اسم لهذه الألفاظ والكلمات ، أما مثبتو كلام النفس فقد اتفقوا على أن ذلك المعنى النفساني يسمى بالكلام وبالقول ، واحتجوا عليه بالقرآن والأثر والشعر : أما القرآن فقوله تعالى : * ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) * ( المنافقون : 1 ) وظاهر أنهم ما كانوا كاذبين في اللفظ لأنهم أخبروا أن محمداً