فخر الدين الرازي

129

تفسير الرازي

الاسم الثامن : لفظ الباقي ، قال تعالى : * ( ويبقى وجه ربك ) * واعلم أن كل ما كان أزلياً كان باقياً ولا ينعكس ، فقد يكون باقياً ولا يكون أزلياً ولا أبدياً كما في الأجسام والأعراض الباقية ، ومن الناس من قال : لفظ الباقي يفيد الدوام ، وعلى هذا ألا يصح وصف الأجسام بالباقي ، وليس الأمر كذلك ، لإطباق أهل العرف على قول بعضهم لبعض أبقاك الله . الدائم : الاسم التاسع : الدائم ، قال تعالى : * ( أكلها دائم ) * ( الرعد : 35 ) ولما كان أحق الأشياء بالدوام هو الله كان الدائم . واجد الوجود : الاسم العاشر : قولنا : " واجب الوجود لذاته " ومعناه أن ماهيته وحقيقته هي الموجبة لوجوده ، وكل ما كان كذلك فإنه يكون ممتنع العدم والفناء ، واعلم أن ما كان واجب الوجود لذاته وجب أن يكون قديماً أزلياً ، ولا ينعكس ؛ فليس كل ما كان قديماً أزلياً كان واجب الوجود لذاته ، لأنه لا يبعد أن يكون الشيء معللاً بعلة أزلية أبدية ، فحينئذٍ يجب كونه أزلياً أبدياً بسبب كون علته كذلك ، فهذا الشيء يكون أزلياً أبدياً مع أنه لا يكون واجب الوجود لذاته ، وقولهم بالفارسية " خداي " معناه أنه واجب الوجود لذاته لأن قولنا : " خداي " كلمة مركبة من لفظتين في الفارسية : إحداهما : خود ، ومعناه ذات الشيء ونفسه وحقيقته والثانية قولنا : " آي " ومعناه جاء ، فقولنا : " خداي " معناه أنه بنفسه جاء ، وهو إشارة إلى أنه بنفسه وذاته جاء إلى الوجود لا بغيره ، وعلى هذا الوجه فيصير تفسير قولهم : " خداي " أنه لذاته كان موجوداً . الكائن : الاسم الحادي عشر : الكائن ، واعلم أن هذا اللفظ كثير الورود في القرآن بحسب صفات الله تعالى ، قال الله تعالى : * ( وكان الله على كل شيء مقتدراً ) * ( الكهف : 45 ) وقال إن الله : * ( كان عليماً حكيماً ) * ( النساء : 24 ) وأما ورود هذا اللفظ بحسب ذات الله تعالى فهو غير وارد في القرآن ، لكنه وارد في بعض الأخبار ، روي في الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يا كائناً قبل كل كون ، ويا حاضراً مع كل كون ، ويا باقياً بعد انقضاء كل كون " أو لفظ يقرب معناه مما ذكرناه ويناسبه من بعض الوجوه واعلم أن ههنا بحثاً لطيفاً نحوياً : وذلك أن النحويين أطبقوا على أن لفظ " كان " على قسمين : أحدهما : الذي يكون تاماً ، وهو بمعنى حدث ووجد وحصل ، قال تعالى : * ( كنتم خير أمة ) * ( آل عمران : 110 ) أي حدثتم ووجدتم خير أمة . والثاني : الذي يكون ناقصاً كقولك " كان الله عليماً حكيماً " ، فإن لفظ كان بهذا التفسير لا بدّ له من مرفوع ومنصوب ، واتفقوا على أن كان على كلا التقديرين فعل ، إلا أنهم قالوا : إنه على الوجه الأول فعل تام ، وعلى الثاني فعل ناقص ، فقلت للقوم : لو كانت هذه اللفظة فعلاً لكان دالاً على حصول حدث في زمان معين