فخر الدين الرازي
122
تفسير الرازي
على الله محال فوجب حمل لفظ النفس على ما ذكرناه . المسألة الخامسة : في لفظ الشخص ، عن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا شخص أغير من الله ، ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا شخص أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ، ولا شخص أحب إليه المدح من الله " . واعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد من الشخص الجسم الذي له تشخص وحجمية ، بل المراد منه الذات المخصوصة والحقيقة المعينة في نفسها تعيناً باعتباره يمتاز عن غيره . هل يقال لله " النور " : المسألة السادسة : في أنه هل يجوز إطلاق لفظ النور على الله ، قال الله تعالى : * ( الله نور السماوات والأرض ) * ( النور : 35 ) وأما الأخبار فروى أنه قيل لعبد الله بن عمر : نقل عنك أنك تقول الشقي من شقي في بطن أمه ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور شيء فقد اهتدى ، ومن أخطأ فقد ضل " فلذلك أقول : جف القلم على علم الله تعالى . واعلم أن القول بأن الله تعالى هو هذا النور أو من جنسه قول باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن النور إما أن يكون جسماً أو كيفية في جسم ، والجسم محدث فكيفياته أيضاً محدثة ، وجل الإله عن أن يكون محدثاً . الثاني : أن النور تضاده الظلمة ، والإله منزه عن أن يكون له ضد . الثالث : أن النور يزول ويحصل له أفول ، والله منزه عن الأفول والزوال ، وأما قوله تعالى : * ( الله نور السماوات والأرض ) * فجوابه أن هذه الآية من المتشابهات ، والدليل عليه ما ذكرناه من الدلائل العقلية ، وأيضاً فإنه تعالى قال عقيب هذه الآية * ( مثل نوره ) * ( النور : 35 ) فأضاف النور إلى نفسه إضافة الملك إلى مالكه ، فهذا يدل على أنه في ذاته ليس بنور ، بل هو خالق النور . بقي أن يقال : فما المقتضي لحسن إطلاق لفظ النور عليه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : قرأ بعضهم " لله نور السماوات والأرض " وعلى هذه القراءة فالشبهة زائلة ، والثاني : أنه سبحانه منور الأنوار ومبدعها وخالقها ؛ فلهذا التأويل حسن إطلاق النور عليه . والثالث : أن بحكمته حصلت مصالح العالم . وانتظمت مهمات الدنيا والآخرة ، ومن كان ناظماً للمصالح وساعياً في الخيرات فقد يسمى بالنور ، يقال : فلان نور هذه البلد ، إذا كان موصوفاً بالصفة المذكورة . والرابع : أنه هو الذي تفضل على عباده بالإيمان والهداية والمعرفة ، وهذه الصفات من جنس الأنوار ويدل عليه القرآن والأخبار : أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية : * ( نور على