فخر الدين الرازي

100

تفسير الرازي

معنى للعامل إلا الأمر الدال على استحقاق هذه الحركات ، فوجب كون هذه الكلمة معربة . ( ب ) كلمة " من " وردت على وجوه أربعة : ابتداء الغاية ، والتبعيض ، والتبيين ، والزيادة . ( ج ) قال المبرد : الأصل هو ابتداء الغاية ، والبواقي مفرعة عليه ، وقال آخرون : الأصل هو التبعيض ، والبواقي مفرعة عليه . ( د ) أنكر بعضهم كونها زائدة ، وأما قوله تعالى : * ( يغفر لكم من ذنوبكم ) * فقد بينوا أنه يفيد فائدة زائدة فكأنه قال يغفر لكم بعض ذنوبكم ، ومن غفر كل بعض منه فقد غفر كله . ( ه ) الفرق بين من وبين عن لا بدّ من ذكره قال الشيطان * ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) * ( الأعراف : 17 ) وفيه سؤالان : الأول : لم خص الأولين بلفظ من والثالث والرابع بلفظ عن . الثاني : لما ذكر الشيطان لفظ من ولفظ عن فلم جاءت الاستعاذة بلفظ من فقال : ( أعوذ بالله من الشيطان ) ولم يقل عن الشيطان . النوع الرابع من مباحث هذا الباب : - ( أ ) الشيطان مبالغة في الشيطنة ، كما أن الرحمن مبالغة في الرحمة ، والرجيم في حق الشيطان فعيل بمعنى مفعول ، كما أن الرحيم في حق الله تعالى فعيل بمعنى فاعل ، إذا عرفت هذا فهذه الكلمة تقتضي الفرار من الشيطان الرجيم إلى الرحمن الرحيم ، وهذا يقتضي المساواة بينهما ، وهذا ينشأ عنه قول الثنوية الذين يقولون إن الله وإبليس أخوان ، إلا أن الله هو الأخ الكريم الرحيم الفاضل ، وإبليس هو الأخ اللئيم الخسيس المؤذي ، فالعاقل يفر من هذا الشرير إلى ذلك الخير . ( ب ) الإله هل هو رحيم كريم ؟ فإن كان رحيماً كريماً فلم خلق الشيطان الرجيم وسلطه على العباد ، وإن لم يكن رحيماً كريماً فأي فائدة في الرجوع إليه والاستعاذة به من شر الشيطان . ( ج ) الملائكة في السماوات هل يقولون : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإن ذكروه فإنما يستعيذون من شرور أنفسهم لا من شرور الشيطان . ( د ) أهل الجنة في الجنة هل يقولون أعوذ بالله . ( ه ) الأنبياء والصديقون لم يقولون ( أعوذ بالله ) مع أن الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم في قوله : * ( فبعزتك لأَغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) * ( ص 82 ، 83 ) . ( و ) الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم إلا في مجرد الدعوة حيث قال : * ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) * ( إبراهيم : 22 ) وأما الإنسان فهو الذي