أبي الفرج الأصفهاني
60
الأغاني
قالت لي عريب : حج بي أبوك وكان مضعوفا ، فكان عديلي ، وكنت في طريقي أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار ، وأكتب عنهم النوادر وسائر ما أسمعه منهم ، فوقف شيخ من الأعراب علينا يسأل ، فاستنشدته ، فأنشدني : يا عزّ هل لك في شيخ فتى أبدا وقد يكون شباب غير فتيان فاستحسنته ، ولم أكن سمعته قبل ذلك ، قلت : فأنشدني باقي الشعر ، فقال لي : هو يتيم ، فاستحسنت قوله وبرّرته ، وحفظت البيت وغنّيت فيه صوتا من الثقيل الأول ، ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه ، فلمّا كان في ذلك اليوم عشيّا قال لي : ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابيّ ، وقال لك : إنه يتيم . أنشدينيه إن كنت حفظته ، فأنشدته ، إياه ، وأعلمته أني قد غنيّت فيه ، ثم غنيته له ، فوهب لي ألف درهم بهذا السبب ، وفرح بالصوت فرحا شديدا . قال ابن المعتز : قال ابن الخصيب : فحدثني هذا المحدّث أنه قد حضر بعد ذلك بمجلس أبي عيسى بن المتوكل - ومن ها هنا تتصل رواية ابن عمّار ، عن ميمون ، وقد جمعت الرّوايتين إلا أن ميمون بن هارون ذكر أنهم كانوا عند جعفر بن المأمون ، وعندهم أبو عيسى ، وكان عندهم عليّ بن يحيى ، وبدعة جارية عريب تغنيهم - فذكر عليّ بن يحيى أن الصّنعة فيه لغير عريب ، وذكر أنها لا تدّعى هذا وكابر فيه ، فقام جعفر بن المأمون ، فكتب رقعة إلى عريب - ونحن لا نعلم - يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة ، ففعلت ، فكتبت إليه بخطها : / بسم اللَّه الرحمن الرحيم . هنيّا لأرباب البيوت بيوتهم وللعزب المسكين ما يتلمّس أنا المسكينة ، وحيدة فريدة بغير مؤنس ، وأنتم فيما أنتم فيه ، وقد أخذتم أنسى ومن كان يلهيني ، تعني جاريتها : بدعة وتحفة - فأنتم في القصف والعزف ، وأنا في خلاف ذلك ، هناكم اللَّه وأبقاكم [ 1 ] ، وسألت - مدّ اللَّه في عمرك - عما اعترض فيه فلان ، والقصّة في هذا الصوت / كذا وكذا ، وقصّت قصّتها مع الأعرابيّ كما حدّثت به ، ولم تخرم حرفا منها ، فجاء الجواب إلى جعفر بن المأمون فقرأه وضحك . ثم رمى به إلى أبي عيسى ، ورمى به أبو عيسى إليّ ، وقال : اقرأه ، وكان عليّ بن يحيى جالسا إلى جنبي ، فأراد أن يستلب الرقعة ، فمنعته ، وقمت ناحية ، فقرأتها : فأنكر ذلك ، وقال : ما هذا ؟ فورّينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة ، وكان - عفا اللَّه عنا وعنه - مبغضا لها . تروي قصة غرامية عن أبي محلم : قال ابن المعتز : وحدثني أبو الخطَّاب العبّاس بن أحمد بن الفرات ، قال : حدّثني أبي ، قال : كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذا غنّى بعض من كان هناك : يا بدر إنّك قد كسيت مشابها من وجه ذاك المستنير الَّلائح وأراك تمصح [ 2 ] بالمحاق ، وحسنها باق على الأيام ليس ببارح فضحكت عريب وصفّقت وقالت : ما على وجه الأرض أحد يعرف خبر هذا الصّوت غيري ، فلم يقدم أحد منا
--> [ 1 ] ف : « وأمراكم » . [ 2 ] مصح يمصح مصوحا : ذهب وانقطع ، والمراد هنا ذهاب الضوء ، وفي ف : « تمسح » ، وفي « المختار » : « تسمج بالمحاق » .