أبي الفرج الأصفهاني

33

الأغاني

قدم البحتريّ النّيل [ 1 ] على أحمد / بن عليّ الإسكافيّ مادحا له ، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدّته عنده ، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها : ما كسبنا من أحمد بن عليّ ومن النّيل غير حمّى النّيل وهجاه بقصيدة أخرى أولها : قصّة النّيل فاسمعوها عجابه فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة ، وبلغ ذلك أبي ، فبعث إليه بألف درهم وثياب ودابّة بسرجها ولجامها ، فردّه إليه ، وقال : قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم [ 2 ] ، فكتب إليه أبي : أمّا الإساءة فمغفورة وأما المعذرة فمشكورة ، والحسنات / يذهبن السيئات ، وما يأسو جراحك مثل يدك . وقد رددت إليك ما رددته عليّ ، وأضعفته ، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا ، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا . فقبل ما بعث به ، وكتب إليه : كلامك واللَّه أحسن من شعري ، وقد أسلفتني ما أخجلني ، وحمّلتني ما أثقلني ، وسيأتيك ثنائي . ثم غدا إليه بقصيدة أولها : ضلال لها ماذا أرادت إلى الصّد وقال فيه بعد ذلك : برق أضاء العقيق من ضرمه وقال فيه أيضا : دان دعا داعي الصّبا فأجابه قال : ولم يزل أبي يصله بعد ذلك ، ويتابع برّه لديه حتى افترقا . شعره في نسيم غلامه : أخبرني جحظة قال : كان نسيم غلام البحتريّ الذي يقول فيه : دعا عبرتي تجري على الجور والقصد أظنّ نسيما قارف الهمّ من بعدي خلا ناظري من طيفه بعد شخصه فيا عجبا للدّهر فقد [ 3 ] على فقد غلاما روميّا ليس بحسن الوجه ، وكان قد جعله بابا من أبواب الحيل على النّاس ، فكان يبيعه ويعتمد أن يصيّره إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب ، فإذا حصل في ملكه شبّب به ، وتشوّقه ، ومدح مولاه ، حتى يهبه له ، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم ، فكفي النّاس أمره . خبره مع محمد بن علي القمي وغلامه : أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال :

--> [ 1 ] النيل : بليدة في سواد الكوفة ، ونهر من أنهار الرقة ، عن « معجم ياقوت » . [ 2 ] ف : « صلتكم » . [ 3 ] فقد بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف ، وفي ف : فقدا بالنصب على الحالية .