أبي الفرج الأصفهاني

258

الأغاني

إلى اللَّه عز وجل ، والقضاء ينزل من السماء بما شاء . أبو هريرة يعظه : أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ ، وأحمد بن عبد العزيز ، عن ابن شبّة قال : حدثني هارون بن عمر ، عن ضمرة بن شوذب قال : قيل لأبي هريرة : هذا الفرزدق ، قال : هذا الذي يقذف المحصنات ، ثم قال له : إني أرى عظمك رقيقا وعرقك [ 1 ] دقيقا ، ولا طاقة لك بالنار ، فتب ، فإن التّوبة مقبولة من ابن آدم حتى يطير غرابه [ 2 ] . أخبرني هاشم بن محمد ، عن الرياشيّ ، عن المنهال بن بحر بن أبي سلمة ، عن صالح المريّ ، عن حبيب بن أبي محمد ، قال : رأيت الفرزدق بالشام ، فقال : قال لي أبو هريرة : إنه سيأتيك قوم يوئسونك من رحمة اللَّه ، فلا تيأس . موازنة بينه وبين جرير والأخطل : قال أبو الفرج : والفرزدق مقدّم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل ، / ومحلَّه في الشعر أكبر من أن ينبّه عليه بقول ، أو يدلّ على مكانه بوصف ؛ لأن الخاص والعام يعرفانه بالاسم ، ويعلمان تقدّمه بالخبر الشائع علما يستغنى به عن الإطالة في الوصف ، وقد تكلَّم الناس في هذا قديما وحديثا ، وتعصبوا ، واحتجوا بما لا مزيد فيه ، واختلفوا بعد اجتماعهم على تقديم هذه الطبقة في أيّهم أحقّ بالتقدم على سائرها ، فأمّا قدماء أهل العلم والرواة فلم يسوّوا بينهما وبين الأخطل ؛ لأنه لم يلحق شأوهما في الشعر ، ولا له مثل ما لهما من فنونه ، ولا تصرّف كتصرّفهما في سائره ، وزعموا أن ربيعة أفرطت فيه ، حتى ألحقته بهما ، وهم في ذلك طبقتان ، أما من كان يميل إلى جزالة الشعر ، وفخامته ، وشدّة أسره ، فيقدّم الفرزدق ، وأما من كان يميل إلى أشعار المطبوعين ، وإلى الكلام السّمح السهل الغزل فيقدّم جريرا . أخبرنا أبو خليفة : قال حدثنا محمد بن سلَّام ، قال : سمعت يونس بن حبيب يقول : ما شهدت مشهدا [ 3 ] قط ذكر فيه الفرزدق وجرير ، فاجتمع أهل ذلك المجلس على أحدهما . قال ابن سلام : وكان يونس يقدم الفرزدق تقدمة بغير إفراط ، وكان المفضل يقدمه تقدمة شديدة . قال ابن سلام : وقال ابن دأب ، وسئل عنهما ، فقال : الفرزدق أشعر خاصّة وجرير أشعر عامّة . أخبرني الجوهريّ وحبيب المهلبيّ عن ابن شبة ، عن العلاء بن الفضل : قال : قال لي أبو البيداء : يا أبا الهذيل ، أيّهما أشعر ؟ أجرير أم الفرزدق ؟ قال : قلت : ذاك إليك ، ثم قال : ألم تسمعه يقول : / ما حمّلت ناقة من معشر رجلا مثلي إذا الريح لفّتني على الكور [ 4 ] إلا قريشا فإن اللَّه فضّلها مع النبوّة بالإسلام والخير

--> [ 1 ] في هج : « وجلدك » بدل « وعرقك » . [ 2 ] طيران الغراب : كناية عن الشيب ، وهي كناية قائمة على تشبيه سواد الشعر بسواد الغراب . [ 3 ] في هج : « ما شهدت مجلسا » . [ 4 ] تقدم هذان البيتان .