أبي الفرج الأصفهاني

251

الأغاني

وهرب ، حتى أتى سعيد بن العاص ، فأقام بالمدينة يشرب ، ويدخل إلى القيان ، وقال : إذا شئت غنّاني من العاج قاصف على معصم ريّان لم يتخدّد [ 1 ] لبيضاء من أهل المدينة لم تعش ببؤس ولم تتبع حمولة مجحد وقامت تخشّيني زيادا وأجفلت حواليّ في برد يمان ومجسد فقلت : دعيني من زياد فإنني أرى الموت وقّافا على كلّ مرصد مروان ينفيه ثم يجيزه : قبلغ شعره مروان ، فدعاه ، وتوعده ، وأجّله ثلاثا ، وقال : اخرج عني ، فأنشأ يقول الفرزدق : دعانا ثم أجلنا ثلاثا كما وعدت لمهلكها ثمود [ 2 ] قال مروان [ 3 ] : قولوا له عني : إني أجبته ، فقلت : قل للفرزدق والسّفاهة كاسمها إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس [ 4 ] ودع المدينة إنها محظورة والحق بمكة أو ببيت المقدس قال : وعزم على الشخوص إلى مكة ، فكتب له مروان إلى بعض عماله ، ما بين مكة والمدينة بمائتي دينار ، فارتاب بكتاب مروان ، فجاء به إليه وقال : مروان إنّ مطيتي معقولة ترجو الحباء وربّها لم ييأس آتيتني بصحيفة مختومة يخشى عليّ بها حباء النّقرس [ 5 ] / ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن نكراء مثل صحيفة المتلمّس [ 6 ] قال : ورمى بها إلى مروان ، فضحك ، وقال : ويحك ! إنك أميّ ، لا تقرأ ، فاذهب بها إلى من يقرؤها ، ثم ردّها ، حتى أختمها ، فذهب بها ، فلما قرئت إذا فيها جائزة ، قال : فردّها إلى مروان ، فختمها ، وأمر له الحسين بن عليّ عليهما السلام بمائتي دينار ، قال : ولما بلغ جريرا أنه أخرج عن المدينة قال : / إذا حلّ المدينة فارجموه ولا تدنوه من جدث الرسول [ 7 ] فما يحمى عليه شراب حدّ ولا ورهاء غائبة الحليل [ 8 ] فأجابه الفرزدق ، فقال :

--> [ 1 ] تقدمت هذه الأبيات في الترجمة نفسها . فارجع إليها . [ 2 ] في هج « دعاني ثم أجلني » . [ 3 ] ليس فيما قاله الفرزدق ما يستدعي عدول مروان عن عقوبته ، فلعل هنا خرما ، أو لعل بعد البيت السابق أبيات استعطاف لم تذكر . [ 4 ] الشعر لمروان : ولم نستطع التوفيق بين قوله : « اجلس » في البيت الأول وقوله : « ودع المدينة » في البيت الثاني ، ربما كانت « اجلس » تصحيف « احلس » - بالحاء - بمعنى ضع الحلس على دابتك وارحل ، والحلس : القتب أو السرج ونحوهما . [ 5 ] النقرس : الهلاك ، أو الداهية ، أو وجع في مفاصل الكعبين . [ 6 ] صحيفة المتلمس : صحيفة حملها تتضمن هلاكه ، وقصتها مشهورة ، والمتلمس الشاعر المعروف . [ 7 ] في هج « إذا حل الفرزدق » . [ 8 ] في هد « يخفى » بدل « يحمى » والورهاء : الحمقاء ، والمراد أنه مدمن زير نساء .