أبي الفرج الأصفهاني

194

الأغاني

مررت بالفرزدق ، وقد كنت دوّنت شيئا من شعره وشعر جرير ، وبلغه ذلك ، فاستجلسني ، فجلست إليه ، وعذت باللَّه من شره ، وجعلت أحدثه / حديث أبيه وأذكر له ما يعجبه ، ثم قلت له : إني لأذكر يوم لقّبك بالفرزدق ، قال : وأي يوم ؟ قلت : مررت به وأنت صبيّ ، فقال له بعض من كان يجالسه : كأنّ ابنك هذا الفرزدق دهقان الحيرة في تيهه وأبّهته ، فسمّاك بذلك ، فأعجبه هذا القول ، وجعل يستعيد ، ثم قال : أنشدني بعض أشعار ابن المراغة فيّ ، فجعلت أنشده ، حتى انتهيت ، ثم قال : فأنشد نقائضها التي أجبته بها ، فقلت : / ما أحفظها ، فقال : يا خالد ، أتحفظ ما قاله فيّ ولا تحفظ نقائضه ؟ واللَّه لأهجونّ كلبا هجاء يتصل عاره بأعقابها إلى يوم القيامة ، إن لم تقم حتى تكتب نقائضها أو تحفظها وتنشدينها ، فقلت : أفعل فلزمته شهرا ، حتى حفظت نقائضها ، وأنشدته إياها خوفا من شره . يكايد النوار بحدراء فتستعدي عليه جريرا : أخبرني عبد اللَّه بن مالك قال : حدثنا محمد بن حبيب ، قال : حدثني الأصمعي قال : تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس الشيباني ، وخاصمته النّوار وأخذت بلحيته ، فجاذبها وخرج عنها مغضبا وهو يقول : قامت نوار إليّ تنتف لحيتي تنتاف جعدة لحية الخشخاش كلتاهما أسد إذا ما أغضبت وإذا رضين فهنّ خير معاش قال : والخشخاش رجل من عنزة ، وجعدة امرأته ، فجاءت جعدة إلى النّوار ، فقالت : ما يريد مني الفرزدق ؟ أما وجد لامرأته أسوة غيري . وقال الفرزدق للنوار يفضّل عليها حدراء . لعمري لأعرابيّة في مظلَّة تظلّ بروقي بيتها الريح تخفق [ 1 ] أحبّ إلينا من ضناك ضفنّة إذا وضعت عنها المراويح تعرق [ 2 ] كريم غزال أو كدرّة غائص تكاد - إذا مرت - لها الأرض تشرق / فلما سمعت النوار ذلك أرسلت إلى جرير ، وقالت للفرزدق : واللَّه لأخزينّك يا فاسق فجاء جرير ، فقالت له : أما ترى ما قال الفاسق ، وشكته إليه ، وأنشدته شعره ، فقال جرير : أنا أكفيك ، وأنشأ يقول : ولست بمطي الحكم عن شفّ منصب ولا عن بنات الحنظليّين راغب [ 3 ] وهنّ كماء المزن يشفى به الصّدى وكانت ملاحا غيرهنّ المشارب [ 4 ]

--> [ 1 ] روقي : تثنية روق ، ومن معانيه رواق البيت . [ 2 ] الضناك : الموثق الخلق الشديد ( يستوي فيه المذكر والمؤنث ) . الضفنة : الحمقاء الكثيرة اللحم ، يقول : إن أعرابية - يقصد حدراء - تخفق في بيتها الريح أحب من النوار الشديدة الخلق الحمقاء المترهلة التي يتفصد جسمها عرقا إذا لم تسعفها المراوح . [ 3 ] الشف : الفضل ، يقول : إنك لم تعط الحكم على النساء والمفاضلة بينهن ، فليس لك منصب فاضل يؤهلك لذلك ، وليس ثمة من يرغب عن بنات الحنظليين اللاتي منهن نوار . [ 4 ] ملاحا : من الملوحة لا الملاحة ، يقول : إن بنات الحنظليين يروين غلة الظمآن كما ترويه مياه المطر ، وغيرهن يروون الظمآن ظمأ لملوحة مائهن .