أبي الفرج الأصفهاني
189
الأغاني
جعل يأتي النوار وبه ردع الخلوق [ 1 ] وعليه الأثر فقالت له النّوار : هل تزوجتها إلا هداديّة - تعني حيّا من أزد عمان - فقال الفرزدق في ذلك : تريك نجوم الليل والشّمس حيّة كرام بنات الحارث بن عباد [ 2 ] أبوها الذي قاد النّعامة بعد ما أبت وائل في الحرب غير تماد [ 3 ] / نساء أبوهنّ الأعزّ ولم تكن من الأزد في جاراتها وهداد ولم يك في الحيّ الغموض محلَّها ولا في العمانيّين رهط زياد [ 4 ] عدلت بها ميل النّوار فأصبحت وقد رضيت بالنّصف بعد بعاد [ 5 ] قال : فلم تزل النوار ترققه ، وتستعطفه ، حتى أجابها إلى طلاقها ، وأخذ عليها ألَّا تفارقه ولا تبرح من منزله ، ولا تتزوج رجلا بعده ، ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له ، وأخذت عليه أن يشهد الحسن البصريّ على طلاقها ، ففعل ذلك . قال المازنيّ : وحدثني محمد بن روح العدوي عن أبي شفقل راوية الفرزدق قال : ما استصحب الفرزدق أحدا غيري وغير راوية آخر ، وقد صحب النّوار رجال كثيرة ، إلا أنهم كانوا يلوذون بالسّواري خوفا من أن يراهم الفرزدق ، فأتيا الحسن فقال له الفرزدق : يا أبا سعيد ، قال له الحسن : ما تشاء ؟ قال : أشهد أن النّوار طالق ثلاثا ، فقال الحسن : قد شهدنا ، فلما انصرفنا قال : يا أبا شفقل ، قد ندمت ، فقلت له : واللَّه إني لأظن أن دمك يترقرق ، أتدري من أشهدت ؟ واللَّه لئن رجعت لترجمن بأحجارك ، فمضى وهو يقول : ندمت ندامة الكسعيّ لمّا غدت منّي مطلَّقة نوار [ 6 ] ولو أنّي ملكت يدي وقلبي لكان عليّ للقدر الخيار وكانت جنّتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضّرار [ 7 ] وكنت كفاقىء عينيه عمدا فأصبح ما يضيء له النهار يخاصم كل من يمد يده لمساعدة النوار : وأخبرني بخبره مع النّوار أحمد بن عبد العزيز ، قال : حدثنا عمر بن شبة ، قال : حدثني محمد بن يحيى ، عن
--> إن تأت بنتك من بيتي مطلقة فلن تردي عليها زفرة الندم [ 1 ] ردع الخلوق : ريح الطيب . [ 2 ] كرام : فاعل تريك . يقول : إنهن كالنجوم يبدون مع الشمس مع أن النجوم لا تظهر معها . [ 3 ] الحارث بن عباد : فارس النعامة « فرسه » من بني بكر . ارجع إلى خبره في « الأغاني » عند الكلام عن حرب تغلب وبكر ابني وائل . [ 4 ] الحي الغموض : القبيلة التي تخفي مكانتها . [ 5 ] يريد أنه أدب نوار بزواجه هذا . فرضيت بالنصف ( بفتح النون ) أي الإنصاف ، أو رضيت بالنصف ( بكسر النون ) ، أي بالقسمة بينها وبين الزوجة الجديدة . [ 6 ] الكسعي : رجل يضرب به المثل في الندامة على كسره قوسه ، وكان جربها في عدة ظباء ، فظن أنها لم تصبهن ، ثم اتضح أنها أقصدتهن جميعا . [ 7 ] الضرار ، من ضاره ، يريد أن مخالفة آدم لأمر ربه أخرجته من الجنة .