أبي الفرج الأصفهاني
176
الأغاني
لما أخرج هدبة من السجن ليقتل ، جعل الناس يتعرّضون له ويخبرون صبره ، ويستنشدونه ، فأدركه عبد الرحمن بن حسّان [ 1 ] ، فقال له : يا هدبة ، أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك ، يعني زوجته ، وهي تمشي خلفه فقال : نعم ، إن كنت من شرطها ، قال : وما شرطها ؟ قال : قد قلت في ذلك : فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا [ 2 ] وكوني حبيسا أو لأروع ماجد إذا ضنّ أعشاش الرّجال تبرّعا [ 3 ] فمالت زوجته إلى جزّار وأخذت شفرته ، فجدعت بها أنفها ، وجاءته تدمى / مجدوعة فقالت : أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح ؟ قال : فرسف في قيوده وقال : الآن طاب الموت . وقال النوفليّ عن أبيه : إنها فعلت ذلك بحضرة مروان وقالت له : إن لهدبة عندي وديعة ، فأمهله حتى آتية بها ، قال : أسرعي ، فإن الناس قد كثروا ، وكان جلس لهم بارزا عن داره [ 4 ] ، فمضت إلى السّوق ، فانتهت إلى قصّاب وقالت : أعطني شفرتك ، وخذ هذين الدرهمين وأنا أردّها عليك ، ففعل ، فقربت من حائط ، وأرسلت ملحفتها على وجهها ، ثم جدعت أنفها من أصله ، وقطعت شفتيها ، ثم ردّت الشفرة ، وأقبلت حتى دخلت بين الناس وقالت : يا هدبة ، أتراني متزوجة بعد ما ترى ؟ قال : لا ، الآن طابت نفسي بعد بالموت ، ثم خرج يرسف في قيوده ، فإذا هو بأبويه يتوقعان الثّكل ، فهما بسوء حال ، فأقبل عليهما وقال : أبلياني اليوم صبرا منكما إنّ حزنا إن بدا بادىء شرّ لا أراني اليوم إلا ميّتا إنّ بعد الموت دار المستقرّ [ 5 ] اصبرا اليوم فإني صابر كلّ حيّ لقضاء وقدر زوجته تنكث بعهدها : قال النوفليّ : فحدثني أبي قال : حدثني رجل من عذرة عن أبيه قال : إني لببلادنا يوما في بعض المياه ، فإذا أنا بامرأة تمشي أمامي وهي مدبرة ، ولها خلق عجيب من عجز وهيئة ، وتمام جسم ، وكمال قامه ، فإذا صبيّان قد اكتنفاها يمشيان ، قد ترعرعا ، فتقدّمتها ، والتفتّ إليها ، فإذا هي أقبح منظر ، وإذا هي مجدوعة الأنف ، مقطوعة الشفتين ، فسألت عنها فقيل لي : هذه امرأة هدبة ، تزوّجت [ 6 ] بعده رجلا ، فأولدها هذين الصّبيّين . أخو زيادة يرفض كل شفاعة ودية :
--> [ 1 ] ضبطنا حسان بالفتح على أنه مأخوذ من الحس ، فهو ممنوع من الصرف . [ 2 ] في هد « أغم القفا والرأس » . [ 3 ] أعشاش الرجال : من عش معروفة بمعنى قلله ، يقول لها : كوني حبيس خدرك أو تزوجي ماجدا . [ 4 ] ب : « بإزاء داره » . [ 5 ] في « المختار » : « لا أرى ذا اليوم إلا هينا » . [ 6 ] وهكذا صدق الشاعر حين يقول : وإن حلفت لا تنقض الدهر عهدها فليس لمخضوب البنان يمين