أبي الفرج الأصفهاني
155
الأغاني
البانة يطرح ريشه سيصلب ، فقال السمهريّ : بفيك [ 1 ] الحجر ، فقال اللهبي : بل بفيك الحجر ، استخبرتني فأخبرتك ثم تغضب . ثم مضى حتى اغترز في بلاد قضاعة ، وترك بلاد غطفان [ 2 ] وذكر بعض الرواة أنه توقف يومه وليلته فيما يعمله ؛ وهل يعود من حيث جاء ثم سار [ 2 ] . حتى أتى أرض عذرة بن سعد يستجير القوم فجاء إلى القوم متنكرا ، ويستحلب الرعيان اللبن ، فيحلبون له ، ولقيه عبد اللَّه الأحدب السعديّ : أحد بني مخزوم من بني عبد شمس ، وكان أشدّ منه وألصّ ، فجنى جناية ، فطلب ، فترك بلاد تميم ، ولحق ببلاد قضاعة ، وهو على نجيبة لا تساير ، فبينا السمهري يماشي راعيا لبني عذرة ، ويحدثه عن خيار إبلهم ، ويسأله السمهريّ عن ذلك - وإنما يسأله عن أنجاهنّ ليركبها . فيهرب بها ، لئلا يفارق الأحدب - أشار له إلى ناقة ، فقال السمهري : هذه [ 3 ] خير من التي تفضلها ، هذه لا تجاري ، فتحيّن الغفلة ، فلما غفل وثب عليها ، ثم صاح بها فخرجت تطير به ، وذلك في آخر الليل ، فلما أصبحوا فقدوها ، وفقدوه ، فطلبوه في الأثر . وخرجا [ 4 ] حتى إذا كان حجر عن يسارهما ، وهو واد في جبل ، أو شبه الثقب فيه استقبلتهما سعة هي أوسع من الطريق ، فظنا أن الطريق فيها ، فسارا مليا فيها ، ولا نجم يأتمان به ، فلما عرفا أنهما حائدان ، والتفت عليهما الجبال أمامهما ، وجدّ الطلب إثر بعيريهما ، ورواه وقد سلك الثقب في غير طريق عرفوا أنه سيرجع ، فقعدوا له [ 5 ] بفم الثقب ثم كرا راجعين ، / وجاءت الناقة ، وعلى رأسها مثل الكوكب من لغامها ، فلما أبصر القوم همّ أن يعقر ناقتهم ، فقال له الأحدب : ما هذا جزاؤها . فنزل ، نزل الأحدب ، فقاتلهما القوم ، حتى كادوا [ 6 ] يغشون السّمهريّ فهتف بالأحدب ، فطرد عنه القوم ، حتى توقلا في الجبل ، وفي ذلك يقول السّمهريّ يعتذر من ضلاله : وما كنت - محيارا ولا فزع السّرى ولكن حذا حجر بغير دليل [ 7 ] وقال الأحدب في ذلك : لمّا دعاني السمهريّ أجبته بأبيض من ماء الحديد صقيل وما كنت ما اشتدّت على السيف قبضتي لأسلم من حبّ الحياة زميلي وقال السّمهريّ أيضا : نجوت ونفسي عند ليلى رهينة وقد غمّني داج من الليل دامس [ 8 ] وغامست عن نفسي بأخلق مقصل ولا خير في نفس امرئ لا تغامس [ 9 ] ولو أن ليلى أبصرتني غدوة ومطواي والصفّ الذين أمارس [ 10 ]
--> [ 1 ] بفيك الحجر : جملة دعائية يسب بها مخاطبه . ( 2 - 2 ) تكملة من هد ، هج . [ 3 ] هذه : إشارة إلى ناقة أخرى غير التي اختارها الراعي . [ 4 ] ضمير « خرجا » يعود على السمهري والأحدب . [ 5 ] له : للسمهري ، وإنما أفرد الضمير هنا مع أن الحديث عن اثنين - السمهري والأحدب - لأن الأول هو المطلوب للقوم . [ 6 ] يغشونه : يريد يغشونه بسيوفهم ، أي يضربونه بها . [ 7 ] ولكن حذا حجر : ولكن حذوت حذا حجر بغير دليل ، أي مشيت بحذائه ، فأضلني ، وحجر : الوادي الذي لم يستطيعا النفاذ منه ، وإسناد الفزع إلى السري مجاز . [ 8 ] غمني : غطى علي ، دامس : مظلم . [ 9 ] غامست : خضت الحرب ، بأخلق مقصل : بسيف قاطع . [ 10 ] مطواي : اسم مكان من طوي ، يعني المكان الذي أقطعه ، والصف : الجمع ، الذين أمارس : الذين أعاني حربهم .