أبي الفرج الأصفهاني

143

الأغاني

الأسود ضرع ناقة من الإبل فعقرها ، فغضب رئاب ، فضربه بالسيف ، فقتله ، وكان أشدّهم أبو جندب ، فعرف خبر أخيه ، فغضب غضبا شديدا ، وأسف ، فاجتمعت رجال هذيل إليه يكلمونه وقالوا : خذ عقل [ 1 ] أخيك ، واستبق ابن عمك ، فلم يزالوا به حتى قال : نعم ، اجمعوا العقل ، فجاؤه به في مرّة واحدة ، فلما أراحوه عليه صمت فطال صمته فقالوا له : أرحنا : اقبضه منا ، فقال : إني أريد أن أعتمر فاحبسوه حتى أرجع ، فإن هلكت [ 2 ] فلأمّ ما أنتم - هذه لغة هذيل يقولون : إمّ بالكسر ، ولا يستعلمون الضم - وإن عشت فسوف ترون أمري ، وولَّى ذاهبا نحو الحرم ، فدعا عليه رجال من هذيل ، وقالوا : اللهم لا تردّه ، فخرج فقدم مكة فواعد كلّ خليع وفاتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا ، فيصيب بهم قومه ، فخرج صادرا ، حتى أخذته الذّبحة في جانب الحرم ، فمات قبل أن يرجع ، فكان ذلك خبره . خبر أخيه زهير : قالوا : وأما زهير بن مرة فخرج معتمرا قد جعل على جسده من لحاء [ 3 ] الحرم ، حتى ورد ذات الأقير [ 4 ] من نعمان ، فبينا هو يسقي إبلا له إذ ورد عليه قوم من ثمالة ، فقتلوه ، فله يقول أبو خراش ، وقد انبعث يغزو ثمالة ويغير عليهم ، حتى قتل منهم بأخيه أهل دارين ، أي حلَّتين من ثمالة . خذوا ذلكم بالصّلح إني رأيتكم قتلتم زهيرا وهو مهد ومهمل / مهد أي أهدى هديا للكعبة . ومهمل : قد أهمل إبله في مراعيها . قتلتم فتى لا يفجر اللَّه عامدا ولا يجتويه جاره عام يمحل [ 5 ] ولهم يقول أبو خراش : إنّي امرؤ أسأل كيما أعلما من شرّ رهط يشهدون الموسما ؟ وجدتهم ثمالة بن أسلما وكان أبو خراش إذا لقيهم في حروبه أوقع بهم ويقول : إليك أمّ ذبّان ما ذاك من حلب الضّان [ 6 ] لكن مصاع الفتيان بكل لين حرّان [ 7 ]

--> [ 1 ] عقل أخيه : ديته . [ 2 ] فلأم ما أنتم : فأنتم تنتمون إلى أصل عظيم ، وأم كل شيء : أصله وعماده ، والمراد بالعبارة : إن هلكنا فافعلوا ما ترون ، فأنتم لا تجتمعون على ضلال . [ 3 ] اللحاء : قشر الشجر . [ 4 ] ذات الأقير : جبل بنعمان « معجم ياقوت » . [ 5 ] لا يفجر اللَّه : لا يفجر باللَّه ، على حذف الخافض ، لا يجتويه ، لا يكرهه . عام يمحل : سنة القحط ، يصف أخاه بالاستقامة والعطف على الجار . [ 6 ] الأبيات من منهوك المنسرح « مستفعلن مفعولات » ، أم ذبان : من الذبنة - بضم الذال - بمعنى ذبول الشفتين من العطش ، كأنه يكنى بأم ذبان عن شفتيه العطشيين ، يقول لشفته : إليك عن الري ، لا تطلبيه في الحرب ، فليس لبن الضأن يسقى فيها . [ 7 ] مصاع : من صاع الأقران : أتاهم من نواحيهم ، بكل لين « بتخفيف الياء » حران : لعله يقصد بكل سنان لدن عطشان إلى الدماء ، والمعنى - على ما يبدو لنا - ليس في الحرب ري بماء أو لبن ، ولكنها مصارع الفتيان بكل سنان ظامىء إلى الدماء .