ابن جبير
296
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين لان العادة جرت لهم بذلك وكان وصول هذا الملك لهذه البلاد بسبب أسطوله الذي ينشئه رحمة لنا والحمد لله على ما من به علينا من حسن نظره الكفيل بنا لا إله سواه ذكر مدينة مسنية من جزيرة صقلية أعادها الله تعالى هذه المدينة موسم تجار الكفار ومقصد جواري الحبر من جميع الأقطار كثيرة الارفاق برخاء الأسعار مظلمة الآفاق بالكفر لا يقر فيها لمسلم قرار مشحونة بعبدة الصلبان تغص بقاطنيها وتكاد تضيق ذرعا بساكنيها مملوءة نتنا ورجسا موحشة لا توجد الغريب أنسا أسواقها نافقة حفيلة وأرزاقها واسعة بإرغاد العيش كفيلة لا تزال بها ليلك ونهارك في أمان وان كنت غريب الوجه واليد واللسان مستندة إلى جبال قد انتظمت حضيضها وخنادقها والبحر يعترض أمامها في الجهة الجنوبية منها ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية لان المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى تكاد تمسه وتنصب منها إلى البر خشبة يتصرف عليها فالحمال يصعد بحمله إليها ولا يحتاج الزواريق في وسقها ولا في تفريغها الا ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا فتراها مصطفة مع البر كاصطفاف الجياد في مرابطها وإصطبلاتها وذلك لافراط عمق البحر فيها وهو زقاق معترض بينها وبين الأرض الكبيرة بمقدار ثلاثة أميال ويقابلها منه بلدة تعرف برية وهي عمالة كبيرة وهذه المدينة مسينة رأس جزيرة صقلية وهي كثيرة المدن والعمائر والضياع وتسميتها تطول وطول هذه الجزيرة صقلية سبعة أيام وعرضها مسيرة خمسة أيام وبها جبل البركان المذكور وهو يأتزر بالسحب لافراط سموه ويعتم بالثلج شتاء وصيفا دائما وخصب هذه الجزيرة أكثر من أن يوصف وكفى بأنها