ابن جبير

294

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

بسكانية وهما رجلاه اللتان يصرف بهما وقامت الصيحة الهائلة في المركب فجاءت الطامة الكبرى والصدعة التي لم نطق لها جبرا والقارعة الصماء التي لم تدع لنا صبرا والتدم النصارى التداما واستسلم المسلمون لقضاء ربهم استسلاما ولم يجدوا سوى حبل الرجاء استمساكا واعتصاما وتعاورت الريح والأمواج صفع المركب حتى تكسرت رجله الواحدة فألقى الرائس مرسى من مراسيه طمعا في تمسكه به فلم نغن شيئا فقطع حبله وتركه في البحر فما تحققنا انها هي قمنا فشددنا للموت حيازيمنا وأمضينا على الصبر الجميل عزائمنا وأقمنا نرتقب الصباح أو الحين المتاح وقد علا الصياح وارتفع الصراخ من أطفال الروم ونسائهم وألقى الجميع عن يد الإذعان وقد حيل بني العير والنزوان ونحن قيام نبصر البر قريبا ونتردد بين ان نلقى بأنفسنا اليه سبحا أو ننتظر لعل الفرج من الله يطلع صبحا فأحضرنا نية الثبات والبحريون قد ضموا العشاري لاخراج المهم من رجالهم ونسائهم وأسبابهم فساروا به إلى البر دفعة واحدة ثم لم يطيقوا رده وقذفته الموج مكسرا على ظهر البر فتمكن حينئذ اليأس من النفوس وفي أثناء مكابدة هذه الأهوال أسفر الصبح فجاء نصر الله والفتح وحققنا النظر فإذا بمدينة مسينة أمامنا على أقل من نصف الميل وقد حيل بيننا وبينها فعجبنا من قدرة الله عز وجل في تصريف أقداره وقلنا رب مجلوب اليه حتفه في عتبة داره