ابن جبير

289

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

الرياح العاصفة الغربية وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غربية وكشف النوء من المغرب وجاءت الريح عاصفة فأخذت بنا جهة الشمال وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد والبحر قد هاج هائجه وماج مائجه فرمى بموج كالجبال يصطدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمه تقلب الغصن الرطيب وكان كالسور علوا فيرتفع له الموج ارتفاعا يرمى في وسطه بشآبيب كالوابل المنسكب فلما جن الليل اشتد تلاطمه وصكت الآذان غماغمه واستشرى عصوف الريح فحطت الشرع واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواري ووقع اليأس من الدنيا وودعنا الحياة بسلام وجاءنا الموج من كل مكان وظننا انا قد أحيط بنا فيا لها ليلة يشيب لها سود الذوائب مذكورة في ليالي الشوائب مقدمة في تعاد الحوادث والنوائب ونحن منها في مثل ليل صول طولا فأصبحنا ولم نكد فكان من الاتفاقات الموحشة ان أبصرنا بر إقريطش عن يسارنا وجباله قد قامت أمامنا وكنا قد خلفناه عن يميننا فأسقطتنا الريح عن مجرانا ونحن نظن انا قد جزناه فسقط في أيدينا وخالفنا المجرى المعهود الميمون وهو ان يكون البر المذكور منا يمينا في استقبال صقلية فاستسلمنا للقدر وتجر عنا غصص هذا الكدر وقلنا سيكون الذي قضى * سخط العبد أو رضى وفي أثناء ذلك انبسطت الشمس ولان البحر قليلا وصممنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور إلى أن يقضى الله قضاءه وينفذ حكمه ولكل سفر