ابن جبير

256

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

العلاج وهم في سلاسل موثقون نعوذ بالله من المحنة وسوء القدر وتندر من بعضهم النوادر الظريفة حسب ما كنا نسمع به ومن أعجب ما حدثت به من ذلك ان رجلا كان يعلم القرآن وكان يقرا عليه أحد أبناء وجوه البلد ممن أوتى مسحة جمال واسمه نصر الله وكان المعلم يهيم به فزاد كلفة حتى اختبل وأدى إلى المارستان واشتهرت علته وفضيحته بالصبي وربما كان يدخله أبوه اليه فقيل له اخرج وعد لما كنت عليه من القران فقال متماجنا تماجن المجانين وأي قراءة بقيت لي ما بقي في حفظي من القرآن شيء سوى إذا جاء نصر الله فضحك منه ومن قوله ونسأل الله العافية له ولكل مسلم فلم يزل كذلك حتى توفي سمح الله له وهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الاسلام والمدارس كذلك ومن أحسن مدارس الدنيا منظرا مدرسة نور الدين رحمه الله وبها قبره نوره الله وهي قصر من القصور الأنيقة ينصب فيها الماء في شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار فتحار الابصار في حسن ذلك المنظر فكل من يبصره بجدد الدعاء لنور الدين رحمه الله وأما الرباطات التي يسمونها الخوانق فكثيرة وهي برسم الصوفية وهي قصور مزخرفة يطرد في جميعها الماء على أحسن منظر يبصر وهذ الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأنهم قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش وأسكنهم في قصور تذكرهم قصور الجنان فالسعداء الموفقون منهم قد حصل لهم بفضل الله تعالى نعيم الدنيا والآخرة وهم على طريقة شريفة وسنة في المعاشرة عجيبة وسيرتهم في التزام رتب الخدمة غربية وعوائدهم من الاجتماع للسماع المشوق جميلة وربما فارق منهم الدنيا في تلك ا لحالات المنفعل المثابر رقة وتشوقا وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة وهم يرجون عيشا طيبا هنيئا