ابن جبير
235
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
اكتناف الكمامة للزهر وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر فكل موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد النظر ولله صدق القائلين عنها إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها ذكر جامعها المكرم عمره الله تعالى هو من اشهر جوامع الاسلام حسنا واتقان بناء وغرابة صنعة واحتفال تنميق وتزيين وشهرته المتعارفة في ذلك تغنى عن استغراق الوصف فيه ومن عجيب شأنه انه لا تنسج به العنكبوت ولا تدخله ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف انتدب لبنائه الوليد بن عبد الملك رحمه الله ووجه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بأشخاص اثنى عشر ألفا من الصناع من بلاده وتقدم اليه بالوعيد في ذلك ان توقف عنه فامتثل أمره مذعنا بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك مما هو مذكور في كتب التواريخ فشرع في بنائه وبلغت الغاية في التأنق فيه وأنزلت جدره كلها بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة قد مثلت أشجارا وفرعت أغصانا منظومة بالفصوص ببدائع من الصنعة الأنيقة المعجزة وصف كل واصف فجاء يغشى العيون وميضا وبصيصا وكان مبلغ النفقة فيه حسبما ذكره ابن المعلى الأسدي في جزء وضعه في ذكر بنائه مائة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار ومائتا ألف دينار فكان مبلغ الجميع أحد عشر الف ألف دينار ومائتي ألف دينار