ابن جبير
228
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
مفتح كله بيوتا وغرفا لها طيقان يتصل بعضها ببعض وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنبا فحصل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا أمامها فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة وللبلدة سوى هذه المدرسة نحو أربع مدارس أو خمس ولها مارستان وأمرها في الاحتفال عظيم فهي بلدة تليق بالخلافة وحسنها كله داخل لا خارج لها الا نهير يجري من جوفيها إلى قبيلها ويشق ربضها المستدير بها فإن لها ربضا كبيرا فيه من الخانات ما لا يحصى عدده وبهذا النهر الأرحاء وهي متصلة بالبلد وقائمة وسط ربضه وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله ويكف ما كان الامر فيه داخلا وخارجا فهو من بلاد الدنيا التي لا نظير لها والوصف فيه يطول فكان نزولنا بربضه في خان يعرف بخان أبي الشكر فأقمنا به أربعة أيام ورحلنا ضحوة يوم الخميس السابع عشر لربيع المذكور والثامن والعشرين ليونيه ووصلنا قنسرين قبيل العصر فأرحنا بها قليلا ثم انتقلنا إلى قرية تعرف بتل تاجر فكان مبيتنا بها ليلة الجمعة الثامن عشر منه وقنسرين هذه هي البلدة الشهيرة في الزمان لكنها خربت وعادت كأن لم تغن بالأمس فلم يبق الا آثارها الدارسة ورسومها الطامسة ولكن قراها عامرة منتظمة لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضا وطولا وتشبهها من البلاد الأندلسية جيان ولذلك يذكر ان أهل قنسرين عند استفتاح الأندلس نزلوا جيان تأنسا بشبه الوطن وتعللا به مثل ما فعل في أكثر بلادها حسب ما هو معروف ثم رحلنا من ذلك الموضع عند الثلث الماضي من الليل فأسرينا وسرنا إلى ضحوة من النهار ثم نزلنا مريحين بموضع يعرف بباقدين في خان كبير يعرف بخان التركمان وثيق الحصانة وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة وأبوابها حديد وهي من الوثاقة في غاية ثم رحلنا من هذا الموضع