ابن جبير
194
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
المنتظم بين لبتين فيه تردها ولا تظمأ وتتطلع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ والحسن الحرمي بين هوائها ومائها ينشأ هي من ذلك على شهرة في البلا معروفة موصوفة ففتن الهوى الا ان يعصم الله منها مخوفة وأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم الا من يتصنع بالتواضع رياء ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء يزدرون الغرباء ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والانباء قد تصور كل منهم في معتقده وخلده ان الوجود كله يصغر بالإضافة لبلده فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم كأنهم لا يعتقدون ان لله بلادا أو عبادا سواهم يسحبون أذيالهم أشرا وبطرا ولا يغيرون في ذات الله منكرا يظنون أن أسنى الفخار في يسحب الإزار ولا يعلمون ان فضله بمقتضى الحديث المأثور في النار يتبايعون بينهم بالذهب قرضا وما منهم من يحسن لله قرضا فلا نفقة فيها الا من دينار تقرضه وعلى يدي مخسر للميزان تعرضه لا تكاد تظفر من خواص أهلها بالورع العفيف ولا تقع من أهل موازينها ومكاييلها الا على من ثبت له الويل في سورة التطفيف لا يبالون في ذلك بعيب كأنهم من بقايا مدين قوم النبي شعيب فالغريب فيهم معدوم الارفاق متضاعف الانفاق لا يجد من أهلها الا من يعامله بنفاق أو يهش اليه هشاشة انتفاع واسترفاق كأنهم من التزام هذه الخلة القبيحة على شرط اصطلاح بينهم واتفاق فسوء معاشرة أبنائها يغلب على طبع هوائها ومائها ويعلل حسن المسموع من أحاديثها ومائها أستغفر الله الا فقهاءهم المحدثين وعاظهم المذكرين لا جرم ان لهم في طريقة الوعظ والتذكير ومداومة التنبيه والتبصير والمثابرة على الانذار المخوف والتحذير مقامات تستنزل