ابن جبير

143

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

قطعوا الطريق من مكة إلى المدينة في يسير أيام ومن صحبهم من الحاج حمد صحبتهم وفي أثناء مغيبهم وصلت طوائف أخر منهم للحج خاصة لضيق الوقت عن الزيارة فأقاموا بمكة ووصل الزوار منهم فضاق بهم المتسع فلما كان يوم الاثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور فتح البيت العتيق وتولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول هو أمثل طريقة منه على ما يذكر فازدحم السرو للدخول على العادة فجاءوا بأمر لهم يعهد فيما سلف يصعدون أفواجا حتى يغص الباب الكريم بهم فلا يستطيعون تقدما ولا تأخرا إلى أن يلجوا على أعظم مشقة ثم يسرعون الخروج فيضيق الباب الكريم بهم فتتحدر الفوج منهم على المصعد وفوج آخر صاعدة فيلتقيان وقد ارتبط بعضهم إلى بعض فربما حمل المنحدرون في صدور الصاعدين وربما وقف الصاعدون للمنحدرين وتضاغطوا إلى أن يميلوا فيقع البعض على البعض فيعاين النظارة منهم مرأى هائلا فمنهم سليم وغير سليم وأكثرهم انما ينحدرون وثبا على الرؤوس والأعناق ومن أعجب ما شاهدناه في يوم الاثنين المذكور ان صعد بعض من الشيبيين أثناء ذلك الزحام يرومون الدخول إلى البيت الكريم فلم يقدروا على التخلص فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب ثم إن أحدهم تمسك بإحدى الشرائط القنبية الممسكة للأستار إلى أن علا الرؤوس والأعناق فوطئها ودخل البيت فلم يجد موطئا لقدمه سواها لشدة تراصهم وتراكمهم وانضمام بعضهم إلى بعض وهذا الجمع الذي وصل منهم في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الأعوام ولله القدرة المعجزة لا إله سواه وفي هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة إلى نحو قامة ونصف من الجدر من الجوانب الأربعة ويسمون ذلك احراما لها فيقولون أحرمت الكعبة وبهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر ولا تفتح من حبن احرامها الا بعد الوقفة