ابن جبير

139

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

واستنفدت ماءها الشؤون وعلا الضجيج وارتفع الشهيق والنشيج وحول رداءه وحول الناس أرديتهم ابتاعا للسنة ثم انقض الجمع راجين رحمة الله عز وجل غير قانطين منها والله يتلافى عباده بلطفه وكرمه وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية على الصفة المذكورة وقد نال الجهد من أهل الحجاز واضربهم القحط وأهلك مواشيهم الجدب لم يمطروا في الربيع ولا الحريف ولا الشتاء الا مطرا طلا غير كاف ولا شاف والله عز وجل لطيف بعباده غير مؤاخذهم بجرائمهم انه الحنان المنان لا رب سواه وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال صعدنا إلى جبل ثور لمعاينة الغار المبارك الذي أوى اليه النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه الصديق رضي الله عنه حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته أولا في هذا التقييد وولجناه من الموضع الذي بعسر الولوج منه على البعض من الناس تبركا بمس بشرة البدن بموضع مسه الجسم المبارك قدسه الله لان مدخل النبي صلى الله عليه وسلم كان منه وكان لأحد الصاعدين اليه ذلك اليوم من المصريين موقف خجلة وفضيحة وذلك أنه رام الولوج فيه على ذلك الموضع الضيق فلم يقدر بحيلة وعاود ذلك مرمرا فلم يستطع حتى استوقف الناس ما عاينوه من ذلك وبكوا له اشفاقا ولجأوا إلى الله عز وجل في الدعاء فلم يغن ذلك شيئا وكان فيهم من هو أضخم منه فيسر الله عليه وطال تعجب الناس منه واعتبارهم وأعلمنا بعد إنفصالنا في ذلك اليوم بأن هذا الموقف المخجل لثلاثة أناس في ذلك اليوم بعينه عصمنا الله من مواقف الفضيحة في الدنيا والآخرة وهذا الجبل صعب المرتقى جدا يقطع الأنفاس تقطيعا لا يكاد يبلغ منتهاه الا وقد القى بالأيدي إعياء وكلالا وهو من مكة على مقدار ثلاثة أميال وعلى ذلك القدر هو جبل حراء منها والله تعالى لا يخلينا من بكرة هذه المشاهد