ابن جبير
132
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
بتسليمتين وقام خطيبا مستقبل المقام والبيت العتيق فلم يتمكن سماع الخطبة للازدحام وضوضاء العوام فلما فرغ من خطبته عاد الأئمة لإقامة تراويحهم وانفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا وأعينهم قد سالت دموعا والأنفس قد أشعرت من فضل تلك الليلة المباركة رجاء مبشرا بن الله تعالى بالقبول ومشعرا انها ولعلها ليلة القدر المشرف ذكرها في التنزيل والله عز وجل لا يخلى الجميع من بركة مشاهدتها وفضل معاينتها انه كريم منان لا إله سواه ثم ترتبت قراءة أئمة المقام الخمسة المذكورين أولا بعد هذه الليلة المذكورة بآيات ينتزعونها من القرآن على اختلاف السور تتضمن التذكير والتحذير والتبشير بحسب اختيار كل واحد منهم ورسم طوافهم أثر كل تسليمتين باق على حاله والله ولى القبول من الجميع ثم كانت ليلة تسع وعشرين منه فكان المختتم فيها سائر أئمة التراويح ملتزمين رسم الخطبة أثر الختمة والمشار اليه منهم المالكي فتقدم باعداد أعواد بإزاء محرابه نصبها ستة على هيئة دارة محراب مرتفعة عن الأرض بدون القامة يعترض على كل اثنين منها عود مبسوط فأدير بالشمع أعلاها وأحدق أسفلها ببقايا شمع كثير قد تقدم ذكره عند ذكر أول الشهر المبارك وأحدق أيضا داخل تلك الدائرة شمع آخر متوسط فكان منظرا مختصرا ومشهدا عن احتفال المباهاة منزها موقرا رغبة في احتفال الأجر والثواب ومناسبة لموضع هيئة المحراب نصبت للشمع فيه عرضا من الأنوار أثافي ن الأحجار فجاءت الحال غريبة في الاختصار خارجة عن محفل التعاظم والاستكبار داخلة مدخل التواضع والاستصغار واحتفل جميع المالكية للختمة فتناوبها أئمة التراويح فقضوا صلاتهم