ابن جبير
116
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
حول البيت المبارك أحد من الرجال وتبادر النساء إلى الصعود حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن عند هبوطهم من البيت الكريم وتسلسل النساء بعضهن ببعض وتشابكن حتى تواقعن فمن صائحة ومعولة ومكبرة ومهللة وظهر من تزاحمهن ما ظهر من السرو اليمنيين مدة مقامهم بمكة وصعودهم يوم فتح البيت المقدس وأشبهت الحال الحال وتمادين على ذلك صدرا من النهار وانفسحن في الطواف والحجر وتشفين من تقبيل الحجر واستلام الأركان وكان ذلك اليوم عندهن الأكبر ويومهن الأزهر الأشهر نفعهن الله به وجعله خالصا لكريم وجهه وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات يرين البيت الكريم ولا يلجنه ويلحظن الحجر المبارك ولا يستلمنه فحظهن من ذلك كله النظر والأسف المستطير المستشعر فليس لهن سوى الطواف على البعد وهذا اليوم الذي هو من عام إلى عام فهن يرتقبنه ارتقاب أشرف الأعياد ويكثرن له من التأهب والاستعداد والله ينفعهن في ذلك بحسن النية والاعتقاد بمنه وكرمه غسل البيت بماء الزمزم وفي اليوم الثاني منه بكر الشيبيون إلى غسله بماء زمزم المبارك بسبب ان كثيرا من النساء ادخلن أبناءهن الصغار والرضع معهن فيتحرى غسله تكريما وتنزيها وإزالة لما يحيك في النفوس من هواجس الظنون فيمن ليست له ملكة عقلية تمنعه من أن تصدر عنه حادثة نجس في ذلك الموطن الكريم والمحل المخصوص بالتقديس والتعظيم فعند انسياب الماء عنه كان كثير من الرجال والنساء يبادرون اليه تبركا بغسل أوجههم وأيديهم فيه وربما جمعوا منه في أوان قد أعدوها لذلك ولم يراعوا العلة التي غسل لها وكان منهم من توقف عن ذلك وربما لحظ الحال لحظة من لا يستجيزها ولا يصوب