الشهيد الثاني

533

روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )

وجمعه بين ما اختلف من العلامات التي ذكرها الأصحاب قد حكى الشهيد رحمه اللَّه في الذكرى ( 1 ) ما يوافقه ، ونقل عن بعض ( 2 ) أجِلة الأصحاب ما يناسبه ، ويزيد ما ذكرناه عنهما تحقيقاً وارتباطاً بالقواعد . وأمّا توهّم اغتفار التفاوت الحاصل بينها وعدم تأثيره في الجهة ففاسد لما تقدّم في تحقيق الجهة من اعتبار يقين الكعبة أو ظنّها أو احتمالها ، وهذا القدر من التفاوت لا يبقى معه شيء منها ، فإنّ مَنْ كان بالموصل مثلًا وكان عارفاً مجتهداً في القبلة يقطع بكونه إذا انحرف عن نقطة الجنوب نحو المغرب بنحو ثلث ما بين الجنوب والمغرب الاعتدالين خارجاً عن سمت الكعبة ، وكذا مَنْ بأطراف العراق الشرقيّة كالبصرة إذا استقبل خطَّ الجنوب ، وهذا أمر لا يخفى على مَنْ تدبّر قواعد القبلة وما يتوقّف عليه من المقدّمات . ومن طريق النصّ إذا كان جَعْل الجدْي على الأيمن يوجب مسامتة الكعبة في الكوفة التي هي بلد الراوي ونحوها ، كيف يوجب مسامتتها إذا كان بين الكتفين ! ؟ لبُعْد ما بينهما بالنسبة إلى بُعْد المسافة ، فإنّ الانحراف اليسير عن الشيء مع البُعْد عنه يقتضي انحرافاً فاحشاً عنه عند محاذاته ، فإنّا إذا أخرجنا خطَّين من نقطة واحدة ، لم يزالا يزدادان بُعْداً كلَّما ازدادا امتداداً ، كما لا يخفى . وأيضاً فلو كان جَعْله بين الكتفين محصّلًا للجهة ، كان الأمر بجَعْله على اليمين لغواً خالياً عن الحكمة . ( و ) المشهور بين الأصحاب أنّه ( يستحبّ لهم ) أي لأهل العراق ( التياسر قليلًا إلى يسار المصلَّي ) منهم . وربما أوجبه الشيخ ( 3 ) في ظاهر كلامه ، وهو مبنيّ على أنّ قبلة البعيد الحرمُ ، وهو عن يسار الكعبة أكثر منه عن يمينها . والمستند ما رواه المفضل بن عمر ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن التحريف لأصحابنا

--> ( 1 ) انظر الذكرى 3 : 162 وما بعدها . ( 2 ) وهو الشيخ أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمّي صاحب كتاب « إزاحة العلَّة في معرفة القبلة » . انظر الذكرى 3 : 164 وما بعدها . وقد أورده المجلسي في بحار الأنوار 81 : 71 - 85 . ( 3 ) النهاية : 63 المبسوط 1 : 78 الخلاف 1 : 297 ، المسألة 42 .