الشهيد الثاني
482
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )
المقام كثيراً ، وإنّما يقارب مكَّة خاصّة . والثاني : أنّه اقتضى عدم الظلّ أصلًا في تمام اثنين وخمسين يوماً ، وذلك من مبدأ مسامتة الشمس لرؤوس أهل مكَّة إلى أن ترجع إلى المسامتة الثانية ، وليس الأمر كذلك ، وإنّما يعدم في كلّ مسامتة يوماً واحداً في مبدأ المدّة ومنتهاها ثمّ يرجع الظلّ جنوبيّا ، كما تقدّم . نعم ، يمكن أن يقال في مكَّة : إنّ المراد بعدم الظلّ في هذه المدّة الظلّ الشمالي المتعارف ، وذلك لا ينافي ثبوت ظلّ آخر ، لكنّه يفسد من جهة قولهم : إنّ علامة الزوال لهذا الفريق حدوثه بعد عدمه ، فإنّه لا يتمّ ذلك . وجملة الأمر أنّ البلد إن نقص عرضها عن الميل الأعظم ، أو لم يكن لها عرض كخطَّ الاستواء ، سامتت الشمس رؤوس أهله مرّتين في غير يومي المنقلبين ، وعدم الظلّ فيه حينئذٍ . ومن هذا القسم مكَّة والطائف واليمامة ونجران وصنعاء وزبيد وحضرموت وغيرها وإن كانت أوقات المسامتة فيها مختلفةً لاختلاف عروضها . وإن ساواه سامتته مرّة واحدة عند المنقلب الشمالي في الأرض المعمورة ، ويكون عدم الظلّ حينئذٍ في أطول الأيّام كما ذُكر . وأقرب البلدان إلى هذا القسم مدينة الرسولُ ، فلو مثّل بها كان حسناً وإن كانت زائدةً في العرض عن الميل الأعظم ، لكنّ الزيادة دقائق لا يظهر بسببها للحسّ . وإن زاد عرض البلد عن الميل الكلَّيّ كالشام والعراق وجميع ما خرج عنهما نحو الشمال وغيرهما من البلاد التي يزيد عرضها عن أربعة وعشرين درجة ، فإنّ الظلّ الشمالي لا يعدم لعدم مسامتة الشمس لرؤوسهم أصلًا ، فتكون علامة الزوال عندهم زيادة الظلّ . فتدبّر هذه الجملة ، فإنّها مبنيّة على مقدّمات دقيقة ، واستقم كما أُمرت ، ولا تتّبع الهوى فيضلَّك عن سبيل اللَّه . والأمر الثاني ( 1 ) ممّا يُعلم به الزوال : ما أشار إليه بقوله ( أو ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن للمستقبل ) لقبلة أهل العراق . وإنّما أطلقها لظهورها ، أو لكونها قبلته . وهذه العلامة لا يعلم بها الزوال إلا بعد مضيّ زمانٍ كثير لاتّساع جهة القبلة بالنسبة
--> ( 1 ) قد سبق الأمر الأوّل في ص 478 .