أبي الفرج الأصفهاني

295

الأغاني

وكتب قصيدته : « مدارس آيات » فيما يقال على ثوب ، وأحرم فيه ، وأمر بأن يكون في أكفانه . ولم يزل مرهوب اللسان وخائفا من هجائه للخلفاء ، فهو دهره كلَّه هارب متوار . حدّثني إبراهيم بن أيوب قال : حدثنا عبد اللَّه بن / مسلم بن قتيبة قال : رأيت دعبل بن عليّ وسمعته يقول : أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة ، لست أجد أحدا يصلبني عليها . إبراهيم بن المهدي يحرض المأمون عليه : حدّثني عمي قال : حدثنا ميمون بن هارون قال : قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولا في دعبل يحرضه عليه ، فضحك المأمون ، وقال : إنما تحرضني عليه لقوله فيك : يا معشر الأجناد لا تقنطوا وارضوا بما كان ولا تسخطوا فسوف تعطون حنينيّة [ 1 ] يلتذها الأمرد والأشمط والمعبديّات [ 2 ] لقوّادكم لا تدخل الكيس ولا تربط وهكذا يرزق قوّاده خليفة مصحفه البربط [ 3 ] فقال له إبراهيم : فقد واللَّه هجاك أنت يا أمير المؤمنين ، فقال : دع هذا عنك فقد / عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا ، وضحك . ثم دخل أبو عبّاد ، فلما رآه المأمون من بعد قال لإبراهيم : دعبل يجسر على أبي عبّاد بالهجاء ويحجم عن أحد ؟ فقال له : وكأنّ أبا عبّاد أبسط يدا منك يا أمير المؤمنين ؟ قال لا ، ولكنه حديد جاهل لا يؤمن ، وأنا أحلم وأصفح . واللَّه ما رأيت أبا عبّاد مقبلا إلَّا أضحكني قول دعبل فيه : أولى الأمور بضيعة وفساد أمر يدبّره أبو عبّاد وكأنه من دير هزقل مفلت [ 4 ] حرد [ 5 ] يجرّ سلاسل الأقياد ما قاله أبوه من الشعر : أخبرني الحسن بن علي الخفّاف قال : حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال : حدّثني أبي قال : أخبرني دعبل بن عليّ قال : قال لي أبي عليّ بن رزين : ما قلت شيئا من الشعر قطَّ إلَّا هذه الأبيات : خليليّ ماذا أرتجي من غد امرئ طوى الكشح عنّي اليوم وهو مكين وإن امرأ قد ضنّ منه بمنطق يسدّ به فقر امرئ لضنين وبيتين آخرين وهما :

--> [ 1 ] حنينية : يريد أغاني منسوبة إلى حنين المغني . [ 2 ] المعبديات : يريد الأغاني المنسوبة إلى معبد . [ 3 ] البريط ، كجعفر : العود . [ 4 ] دير هزقل : دير بداوردان ، وهزقل هو حزقل كزبرج ، أو حزقيل النبي ، وفي س ، ب : « هرقل » ، تحريف وداوردان : قرية شرقي واسط بينهما فرسخ . وقع فيها الطاعون فخرج أهلها هاربين فأماتهم اللَّه ثم أحياهم ليعتبروا . وقيل مر عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجبا مما رأى فأوحي إليه ناد فيهم أن قوموا بإذن اللَّه فنادى فنظر إليهم قياما . [ 5 ] حرد : غضبان .