أبي الفرج الأصفهاني

268

الأغاني

فقلت له : نعم ، أنا أتحمّل هذه الرسالة وكرامة ، على ما فيها ، حفظا لروحك عليك ، / فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر . فأخذت الرقعة وجعلت طريقي على منزل النخاس ، فبعثت إلى الجارية : أخرجي ، فخرجت ، فدفعت إليها الرقعة ، وأخبرتها بخبري فضحكت ، ورجعت إلى الموضع الَّذي أقبلت منه فجلست جلسة خفيفة ، ثم إذا بها قد وافتني ومعها رقعة ، فيها : صوت وما زلت تعصيني [ 1 ] وتغري بي الردى وتهجرني حتى مرنت على الهجر وتقطع أسبابي وتنسى مودتي فكيف ترى يا مالكي في الهوى صبري ! فأصبحت لا أدري أيأسا تصبّري على الهجر أم جدّ البصيرة لا أدري غنّى في هذه الأبيات عمرو بن بانة ، ولحنه ثقيل أول بالبنصر ، ولمقّاسة بن ناصح فيها ثقيل آخر بالوسطى . لحن عمرو في الأول والثالث بغير نشيد . قال : فأخذت الرّقعة منها وأوصلتها إليه ، وصرت إلى منزلي ، فصنعت في بيتي محمد بن جعفر لحنا وفي أبياتها لحنا ، ثم صرت إلى الأمير صالح بن الرشيد ، فعرّفته ما كان من خبري ، وغنّيته الصوتين ، فأمر بإسراج دوابه فأسرجت ، وركب فركبت معه إلى النخّاس مولى نيران ، فما برحنا حتى اشتراها منه بثلاثة آلاف دينار ، وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له ، فأقمنا يومنا عنده . أخبرنا محمد بن يحيى الصوليّ قال : حدّثني يزيد بن محمد المهلبيّ قال : دخلت على الواثق يوما وهو خليفة ورباب في حجره جالسة ، وهي صبية ، وهو يلقي عليها قوله : / ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظ في حفظه عجب وفي تضييعك وهي تغنّيه ويردده عليها ، فما سمعت غناء قطَّ أحسن من غنائهما جميعا ، وما زال يردّده عليها حتى حفظته .

--> [ 1 ] في م ، أ : « تقصيني » .