أبي الفرج الأصفهاني

480

الأغاني

/ كان أبو نخيلة إذا نزل به ضيف هجاه ، فنزل به يوما رجل من عشيرته ، فسقاه سويقا قد حلَّاه ، فقال له : زدني ، فزاده . فلما رحل هجاه وذكر / الأبيات بعينها ، وقال في الخبر قال أبو عبيدة : السّحتيت : السويق الدّقاق . يعتذر إلى السفاح من مدحه بني مروان : أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ قال : حدثنا محمد بن زكريا الغلابيّ قال : حدّثني ابن عائشة قال : دخل أبو نخيلة على أبي العباس السفاح فسلَّم ، واستأذن في الإنشاد ، فقال له أبو العباس : لا حاجة لنا في شعرك ، إنما تنشدنا فضلات بني مروان ، فقال : يا أمير المؤمنين : كنا أناسا نرهب الأملاكا إذ ركبوا الأعناق والأوراكا قد ارتجينا زمنا أباكا ثم ارتجينا بعده أخاكا ثم ارتجينا بعده إياكا [ 1 ] وكان ما قلت لمن سواكا زورا فقد كفّر هذا ذاكا فضحك أبو العباس ، وأجازه جائزة سنية ، وقال : أجل ، إن التوبة لتكفر ما قبلها ، وقد كفّر هذا ذاك . وأخبرنا أبو الفياض سوّار بن أبي شراعة قال : حدّثني أبي عن عبد الصمد بن المعذّل عن أبيه قال : دخل أبو نخيلة على أبي العباس ، قال وكان لا يجترىء [ 2 ] عليه مع ما يعرفه به من اصطناع مسلمة إياه ، وكثرة مديحه لبني مروان حتى علم أنه قد عفا عمّن هو أكبر [ 3 ] محلَّا / من القوم وأعظم جرما منه ، فلما وقف بين يديه سلَّم عليه ، ودعا له وأثنى ، ثم استأذنه في الإنشاد ، فقال له : ومن أنت ؟ قال : عبدك يا أمير المؤمنين أبو نخيلة الحمّاني . فقال : لا حيّاك اللَّه ، ولا قرّب دارك يا نضو السوء . ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بالأمس : أمسلم يا من ساد كلّ خليفة [ 4 ] ويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض ؟ واللَّه لولا أني قد أمّنت نظراءك لما ارتدّ إليك طرفك حتى أخضبك بدمك . فقال أبو نخيلة : كنّا أناسا نرهب الأملاكا يعفو السفاح عنه ويخوله اختيار جارية فلا يحمدها : وذكر الأبيات المتقدمة كلَّها مثل ما مضى من ذكرها ، فتبسم أبو العباس ، ثم قال له : أنت شاعر وطالب خير [ 5 ] . وما زال الناس يمدحون الملوك في دولهم ، والتوبة تكفر [ 6 ] الخطيئة ، والظَّفر يزيل الحقد . وقد عفونا عنك ، واستأنفنا الصنيعة لك . وأنت الآن شاعرنا فاتّسم بذلك فيزول عنك ميسم بني مروان ، فقد كفّر هذا ذاك . كما قلت . ثم التفت إلى أبي الخصيب فقال : يا مرزوق ، أدخله دار الرقيق فخيّره جارية يأخذها لنفسه ، ففعل واختار

--> [ 1 ] في هد ، ف : « ثم ارتجيناك لها أياكا » . [ 2 ] ف : « وكاد لا يجترىء » . [ 3 ] كذا في ب ، وفي سائر النسخ : « أكثر » . [ 4 ] ف ، هد مم : « أمسلم إني يا بن كل خليفة » . [ 5 ] في ف : « خبز » . [ 6 ] في ف : « تمحو » .